هبت نسائم رمضان، وهبت روائح الجنة مع هبات نسائم رمضان. يا شهر الإيمان ما أروعك، يا شهر القرآن ما أبدعك، وسبحان من أودعك كل هذه المعاني السامية والقيم العالية، وكما قال يعقوب: (إني لأجد ريح يوسف..)، وكما قال أنس بن النضر: «إني لأجد ريح الجنة دون أحد»، وكما في بعض الآثار: «روائح الجنة في الشباب»، فإن المؤمن يستروح روائح الجنة مع هبوب نسائم رمضان.. فأهلاً رمضان.. مرحى رمضان ومرحباً برمضان.
وإنا مهما قلنا فإن عباراتنا وكلماتنا تعجز عن التعبير عن مكنوننا، ومخزون الفرح عندنا بمقدم رمضان.
وما تصف الكلمات من المشاعر والمعاني وما تعبّر العبارات عن المكنونات، وما تغني وما تسعف الألفاظ في نقل الإحساس.. إنه لا يستطيع ذلك إلا من خلق الإنسان وعلمه البيان.. في آيات القرآن، حيث قال في محكم الآيات: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان..).
وبعد، فنواصل في هذه الحلقة الثانية الملاحظات على الآيات التي تحدثت عن الصيام، وقد سبقت في الحلقة السابقة بعض الملاحظات وهذا بعض آخر من الملاحظات:
ملاحظة أخرى سميتها: اللطف في آيات الصيام، وفيها أقول: القرآن كلام اللطيف الخبير، والصيام فريضة وركن فرضه الله اللطيف بعباده كما قال: (الله لطيف بعباده)، ومن تأمل آيات الصيام وجدها تفيض باللطف فيضاً، فأولاً البدء بالنداء وبأحب الأسماء: (يا أيها الذين آمنوا) وما فيه من معنى التودد والتلطف، فأنت لا تنادي بأحب الأسماء إلا أحب الأشخاص. ثم ما في النداء من حفز وحث وتشجيع واستجاشة للاستجابة، فالنداء مشحون باللطف، وما ناداك بأحب الأسماء وأحسن الأسماء إلا وهو يريد منك أحسن الاستجابة، وإلا وقد أعد لك أحسن الجزاء.
وثانياً قوله تعالى: (كُتب) بالبناء للمجهول، وهذا فيه منتهى التلطف، فالإله العظيم إذا كلف بما فيه مشقة بنى الفعل للمجهول؛ حتى لا يقترن اسمه الجليل الحبيب الله بالمشقة والثقل والتكليف. وتأمل: (كُتب عليكم القصاص)، (كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت)، (كُتب عليكم الصيام)، (كُتب عليكم القتال)..الخ.
وتأمل: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي)، (كتب ربكم على نفسه الرحمة) (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان)..الخ. فحيث التجليات والنفحات والرحمات بنى الفعل للمعلوم وذكر اسمه: الله أو الرب أو ضميره سبحانه، فتأمل هذا الكتاب، ولطائف الإشارات!
ولطف ثالث في قوله تعالى: (كما كتب على الذين من قبلكم) وذلك لمؤانسة المؤمنين والتلطف بهم، فأنتم أيها المؤمنون تسلكون طريقاً مطروقاً وسبيلاً مسلوكاً سلكته الأمم كلها من قبلكم، ولستم تسلكون طريقاً موحشاً أنتم فيه وحدكم، فانظروا خلفكم تجدوا كل الأمم وراءكم، أو أمامكم، لا مشكلة إنها المؤانسة والملاطفة مرة أخرى.
واللطف الرابع في قوله تعالى: (لعلكم تتقون) فالإله العظيم القدير ملك السموات والأرض يعلل الأفعال لعباده، حتى يمتثلوا الحكم مستحضرين الحكمة. مع أن العباد شعارهم في معاملة العباد أمثالهم: نفّذ ولا تعترض! والإله العزيز الحكيم يبين حكمة الأفعال التي يطلبها من عباده؛ لينشطوا في الامتثال. وأنا أزعم أن معلمي الكيمياء والرياضيات والفيزياء لو شرحوا للطلاب حكمة دراسة هذه المواد، لأقبلوا عليها إقبالاً مختلفاً، بينما هي الآن من المغلقات المنفّرات المستعصيات.
ولطف خامس في قوله تعالى: (أياماً معدودات) بين يدي قوله: (شهر رمضان)؛ تخفيفاً عنهم ورفقاً بهم وتلطفاً، فهو يهون عليهم المسألة، إن رمضان ليس إلا «أياماً معدودات» فصوموها وامتثلوا أمر ربكم ولا تستثقلوها! وما الشهر وما العمر في النهاية إلا أياماً معدودات.
ولطف سادس في المسارعة بالتخفيف من المولى اللطيف في قوله: (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر)، ولاحظ اللطف المضاعف في تضاعيف اللطف الأصلي؛ أنه أولاً سارع إلى الرخصة، ثم ثانياً لم يحدد ما المرض وما شدته وترك لك أنت أن تقدر ما المرض وما الحاجة إلى الإفطار، وكذا «أو على سفر».. فلم يقل لك بالسيارة أو بالباخرة أو بالطائرة أو على ظهر البعير! ولم يقل لك مئة كيلو أو أقل أو أكثر.
ثم لطف آخر في قوله: (فعدة من أيام أخر)، وقد تكون الأيام البديلة متفرقة بدل المجتمعة، وفي الشتاء بدل الصيف، أرأيت إلى اللطف!
ولطف آخر في قوله: (وعلى الذين يطيقونه) فلم يقل لا يطيقونه، لا وإنما «يطيقونه» أي: يستطيعونه ولكنه يشق عليهم. ولطف في قوله: (وأن تصوموا خير لكم) ولم يقل فرض عليكم. ولطف في بيان لماذا الصيام؛ لأنه (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) ولماذا أنزل القرآن؟ (هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه)؛ أي: لتقدروا عظمة المنهج ونعمة المنهج، ثم لطف آخر في تكرار الرخصة: (ومن كان مريضاً..)
ثم لطف آخر في قوله: (يريد الله بكم اليسر) وكان يمكن الاكتفاء بهذا، لكن القرآن أضاف: (ولا يريد بكم العسر)، ثم بين علة أخرى للصوم: (..ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون).
ثم لطف آخر في التقرب من العباد، وأن الصيام يؤهلهم ليكونوا مستجابي الدعوة، ويجعلهم راشدين، وأعظم بها من منن ونعم وحكم، ولاحظ أنه في الآية قدم إجابته للداعي قبل استجابة الداعي: (فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون)، وفي الآية وقفات عديدة ندخرها إلى حين التفسير إنما هذه مقدمات. وأما الرشد فيحتاج وحده إلى وقفة مطولة، ونتركها الآن، وأما الآية الأخيرة ففيها من ألوان اللطف الكثير، وأتوقف عن متابعة الحديث؛ طلباً للإيجاز والاختصار على أن يبين كل ذلك إذا جئنا لتفسير الآية إن وفق الله ويسر.
وبعد.. فهذه نظرة عامة أخرى وليست أخيرة، وإن كنت ربما ختمت بها وربما أضفت إليها: وهذا ما سميته «خماسيات آيات الصيام»، فأولاً: آيات الصيام خمس كما مر، وكلمة الصيام في سورة البقرة وردت خمس مرات، وشهر رمضان خمس حروف، وكلمة (كتب) بحق هذه الأمة الإسلامية وردت في سورة البقرة خمس مرات، وإن الآيات ختمت بخمسة أفعال مضارعة، وفي الآيات خمسة أفعال أمر غير مقترنة باللام كلها في الآية الأخيرة هي: (باشروهن، وابتغوا، وكلوا، واشربوا، أتموا) وخمس أفعال أمر مقترنة باللام هي: (فليصمه، ولتكملوا، ولتكبروا، فليستجيبوا، وليؤمنوا) والأفعال المضارعة في آيات الصيام 15 (5×3)، والأفعال الماضية 15 (5×3) (استثنيت كان وأثبت كنتم)
وفي ختام هذه الكلمات وفي التعقيب على هذه الملحوظات العابرات على الآيات المتكلمة عن الصيام أقول: ماذا كانت الآية التالية لآيات الصيام مباشرة؟ وتأمل من خلالها نسق القرآن وتناسق القرآن وترتيب القرآن! إنها قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون).
والملاحظة الأولى على نسق الآية مع آيات الصيام: إن الملحظ الأول في الصيام الامتناع عن الأكل، وتكون الآية الأولى بعد الصيام النهي عن الأكل، لكن بمعناه المجازي: أكل أموال الناس بالباطل وبالإثم.
إن الامتناع عن الاكل درّبك على الامتناع عن أكل خطير.. مدمر لحياة الشعوب وحياة الأمم.. إنه أكل أموال الناس بالباطل. وإذا تأملت واقع الحياة والمجتمعات، وجدت أخطر المقاتل وأفتك الأوبئة الاقتصادية والاجتماعية: أكل أموال الناس بالباطل. فالثمرة الأولى للتقوى التي أنشأها الصيام الذي هو امتناع عن الأكل في معناه الأول، الثمرة الأولى هي الامتناع عن أكل أموال الناس بالباطل.
وملاحظة ثانية: عود إلى أول آيات الصيام الآية 183 وتاليتها الآية 184 تجد الفاصلتين المتتاليتين هما: تتقون، تعلمون.
ولننتقل الآن إلى الختام الآية 187 والآية 188 نجد الفاصلتين المتتاليتين: يتقون، تعلمون.. إنها المنهجية ذاتها: التقوى والعلم في البدء والختام، والعجب الآية التالية: (يسألونك عن الأهلة..) أليس الصيام والفطر من الصيام مرتبطاً بالأهلة؟ بلى بالطبع. وتأمل ختام الآية تجد ما هو أعجب كذلك: (ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون) التقوى التي تقود إلى الفلاح، ثم: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) لقد ربى الصيام الإرادة، والقتال في معناه الأول، إرادة، وإنما الحرب صراع إرادات. والذي ينتصر الإرادة إن قويت.. والذي ينهزم وينكسر الإرادة إن ضعفت.
ولاحظ أن القتال عمل هو مظنة العدوان، من هنا سبقه تهذيب الوجدان بالصيام.
ومن هنا نص على عدم العدوان فقال: (ولا تعتدوا)، ثم برر ذلك بـ(إن الله لا يحب المعتدين) أرأيت المنهجية والعظمة في النسق؟!
هذا ونحن لم ندخل في تفسير الآيات، وإنما هي نظرات في معمار الآيات وترتيب الآيات.
ولا أدري أجعل الحلقة التالية في تفسير الآيات بعد النظرات، أم أنتقل إلى موضوع آخر من الموضوعات!؟ وكل رمضان وأنتم بخير.. وأهلاً رمضان!
