الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 06:45 م

الأخبار

القوارض تطارد صحة الغزيين في غزة.. ومبيدات مكافحتها ممنوعة "إسرائيليًا"

حجم الخط
غزة ـ صوت الأقصى

بعد أكثر من عام على النزوح القسري، عادت السيدة فريال سليمان مع عائلتها إلى منزلهم، لتكتشف أن الحرب لم تنتهِ عند توقف القصف. فالبيت الذي ما زال قائمًا، تحوّل إلى مأوى للقوارض؛ فئران وعرس تسكنه، وتفرض واقعًا جديدًا من الخوف والمعاناة في ظل غياب المبيدات ووسائل المكافحة اللازمة.

تقول سليمان لـ "الرسالة نت" إنها عثرت على ملابس العائلة وما تبقّى من بقوليات وأرز كانت قد تركتها قبل النزوح، كأنها كنز نجا من الحرب، غير أن فرحتها لم تكتمل؛ إذ سرعان ما مزّقت الفئران الملابس والتهمت الطعام، لتبدّد ما تبقّى من أمل بالعودة الآمنة.

تتكوّن عائلة السيدة "فريال" من سبعة أفراد، يتناوبون يوميًا على محاربة القوارض، رغم اتخاذهم الاحتياطات الممكنة، إلا أن ظهور فأر مفاجئ كفيل بإرباك حياتهم اليومية، خاصة في ظل وجود أطفال صغار.

وتشير إلى أن القوارض تتسلل عبر فتحات في الجدران خلّفتها القذائف، حاولت إغلاقها مرارًا دون جدوى.

بالنسبة للسيدة سليمان ، الحرب ما زالت مستمرة بشكل آخر؛ حرب داخل البيت، تخشى خلالها على أطفالها من أمراض خطيرة كحمّى شوكية قد تنقلها القوارض. وتؤكد أنها لا تستطيع العيش في خيمة، لا صيفًا ولا شتاءً، مستحضرة ذكرى مؤلمة من أيام المجاعة، حين تسلل فأر إلى كيس الطحين الوحيد الذي كانت تملكه، ما اضطرها إلى التخلص منه. هكذا تتحول العودة إلى المنازل في غزة إلى معركة يومية جديدة، لا تقل قسوة عن النزوح ذاته.

وتجدر الإشارة إلى أن الجهات المحلية، بالتعاون مع برامج الأمم المتحدة، تعمل منذ أكثر من شهر لإدخال مواد مكافحة نواقل الأمراض، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل، كما أن مخزون مواد المكافحة داخل القطاع معدوم بالكامل، بما في ذلك مبيدات الحشرات والبراغيث التي انتشرت بشكل واسع خلال فصل الصيف الماضي.

روائح تجذب القوارض

ومنذ نحو شهر، تتناوب السيدة خلود مع حماتها ووالدتها على المبيت في المستشفى، مرافقاتٍ أطفالها الأربعة المرضى، بعدما أُصيبوا جميعًا بحمى وارتفاع مفاجئ في درجات الحرارة دون سابق إنذار.

تقول الأم إن المرض بات جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية في ظل البرد القارس وانعدام النظافة في محيط السكن، وكأن المعاناة لم تعد استثناءً بل واقعًا دائمًا.

تعيش خلود في غرفة واحدة متبقية من منزلها المدمر، على مقربة من مكبّ نفايات في منطقة اليرموك، حيث تتفاقم الأخطار الصحية يومًا بعد يوم.

وتوضح لـ "الرسالة نت": "كنا نعاني سابقًا، فما بالكم اليوم، وهناك جثث لا تزال تحت الأنقاض، وروائحها تجذب القوارض". ورغم محاولاتها المستمرة لتنظيف وتعقيم المكان، إلا أن أي احتكاك بسيط من أطفالها بالبيئة المحيطة كفيل بإعادتهم إلى دوامة المرض، سواء في الروضات أو الخيام التعليمية.

وتضيف خلود أنها تعيش هاجس الخوف من إصابة أطفالها بأمراض خطيرة، بينها داء "اللِّبتوسبيروزيس" - عدوى بكتيرية تنتقل من الحيوانات المصابة، كالقوارض، إلى الإنسان عبر المياه الملوثة.

ورغم تطمينات الأطباء بأن ما يعانيه أطفالها ليس سوى إنفلونزا عادية وستزول، إلا أن القلق لا يفارقها، في ظل بيئة تزداد تلوثًا، وحرب لم تنتهِ آثارها بعد على صحة الأطفال وحياتهم اليومية.

وفي تصريحات صحفية، حذر الخبير البيئي والمسؤول عن رقابة المياه والصرف الصحي في وزارة الصحة، سعيد العكلوك، من تصاعد مخاطر انتقال الأمراض من القوارض إلى سكان قطاع غزة، في ظل بيئة ملوّثة خلّفتها الحرب وتُعدّ مهيأة لانتشار الأوبئة في أي وقت مع استمرار التدهور البيئي.

وأوضح العكلوك أن القطاع يفتقر إلى الفحوصات المخبرية التخصصية المتقدمة، ولا سيما تحاليل الحمض النووي، إذ تقتصر الإمكانات المتوفرة على فحوصات أولية فقط، ما يعيق اكتشاف الأمراض الجديدة مبكرًا.

وأكد أن المشكلة لا تقتصر على الركام الذي تجاوز 60 مليون طن، بل تتفاقم بسبب منع إدخال مواد مكافحة نواقل الأمراض، حيث يواصل الاحتلال الإسرائيلي رفض إدخال مبيدات القوارض والبعوض والذباب، ما يحرم الجهات المختصة من أدوات السيطرة على هذه الآفات.

وأشار إلى أن مخزون مواد المكافحة داخل القطاع معدوم بالكامل، رغم محاولات متواصلة منذ أكثر من شهر، بالتعاون مع برامج الأمم المتحدة، لإدخال هذه المواد دون جدوى، محذرا من أن استمرار هذا الواقع يعني بقاء غزة بيئة مفتوحة لتفشي أوبئة متعددة، لا مرضًا واحدًا فقط، مؤكدًا أن كل يوم تأخير يرفع مستوى الخطر الصحي.

ولفت العكلوك إلى تغيّر سلوك القوارض والحيوانات الضالة، التي باتت أكثر جرأة وسُجّلت حالات عض داخل الخيام، نتيجة وجود رفات تحت الأنقاض، وإقامة المواطنين وخيامهم فوق مكبات نفايات.

وبيّن أن الركام تحوّل إلى مكبات عشوائية، مع تراكم نحو مليون طن من النفايات، وإنتاج يومي يقارب 1300 طن تُلقى داخل الأحياء والأسواق، ما يعزز انتشار القوارض والحشرات.

وأكد أن غياب الحلول البيئية والصحية الشاملة، واستمرار منع إدخال مواد المكافحة، يشكّل تهديدًا حقيقيًا للصحة العامة، وينذر بمخاطر وبائية متصاعدة في قطاع غزة.