يدمي القلب. الملف السوري يدمي قلب كل مؤمن وكل حر، من قال غير هذا فهو ليس بمؤمن ولا إنسان. مائة ضحية هو المتوسط اليومي لعمليات القتل. القتلى من كافة الأعمار، ومن الجنسين. العالم العربي يتفرج، والعالم الإسلامي سجل غيابًا، والدول الكبرى تتلكأ في قراراتها وتراوح مكانها. وأصوات المستغيثين لا يرعوي لها النظام، ولا تستجيب لها المعارضة بإعلان توحدها ولو على الحد الأدنى من القواسم المشتركة والمطالب.
مجموعة الاتصال الدولية حول سوريا والتي تضم الدول الكبرى إضافة إلى الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية اجتمعت في جينيف مؤخرًا، وخرجت ببيان هزيل، لا يمنع سفك الدماء، ولا يستجيب لوقائع الميدان، بل فيه قفز عما يجب أن يكون من مسئوليات.
نعم عارض البيان (أي عسكرة إضافية للنزاع)؟ ولكن ما هي آليات هذا المنع؟ لقد سكت عنها البيان. البند الأول من مقترح عنان الأمين العام كان وقف إطلاق النار وسحب الآليات الثقيلة من المدن، مضى أشهر على مهمته ولم يتحقق شيء، بل ازداد القتل، وازداد القصف وعلق المراقبون أعمالهم. ومؤشر الميدان البياني يشير إلى التصعيد.
البيان الذي وصفه المراقبون بالهزيل يدعو لإقامة حكومة انتقالية تشارك فيها المعارضة، وأعضاء من الحكومة الحالية، وتكون صاحبة صلاحيات حقيقية. كيف سيتم إقامة هذه الحكومة؟ ما علاقة الرئيس الأسد بهذه الحكومة؟ لا أحد يملك الإجابة!!
البيان يعمل في المساحة الرمادية، فهو يتحدث عن (مراجعة الدستور، وعن تمثيل المرأة السورية، وعن احترام حقوق الإنسان، وعن تعويض ضحايا النزاع، وعن إعادة الإعمار)، وليس لهذه القضايا شأن الآن في الميدان. الميدان يطلب وقف إطلاق النار، ووقف القتل الجماعي، الميدان الآن ليس في حاجة إلى تمثيل المرأة، أو مراجعة الدستور، أو حتى تعويض الضحايا، هو في حاجة إلى حماية الأحياء قبل أن يصيروا في عداد الضحايا.
ليس لدي شك في أن مجموعة الاتصال تفتقر إلى الإرادة، وتفتقر إلى الجدية في المعالجة، وأحسب أن بعض أعضائها المؤثرين يتلكؤون بانتظار أن يصل النظام، والمجتمع السوري معًا، إلى حالة الإنهاك الذاتي، ولكي يتدخلوا هم لاحقًا بما يضمن لهم تحقيق مصالحهم في سوريا.
مجموعة الاتصال لا تحركها المعايير الأخلاقية والإنسانية، وإن تظاهرت بذلك، وإنما تتحرك من أجل مصالحها. والسؤال الاستكشافي الفاضح لهم ولسياساتهم يقول، ماذا هم فاعلون لو كان هذا النزاع في بلد أوروبي؟! إن تحرك الغرب في مسألة كوسوفو يكشف عن عنصرية في معايير العمل في حال النزاعات الداخلية.
لقد فشلت أنظمة عربية في إقناع مجموعة الاتصال بتطوير موقفها لوقف القتل وسفك الدماء من خلال مجلس الأمن، الأمر الذي يعني أن القرار العربي ليس مؤثرًا حتى في الساحات العربية. ومن ثم فإن الجامعة العربية لا تبدو مؤهلة للقيام بمسئولية توحيد المعارضة، لأن قادة الجامعة يعملون تبعًا لمجموعة الاتصال، وتنقصهم الخبرة في الشخصية السورية التي لا تجتمع إلا لتختلف.
البيان الذي أصدرته مجموعة الاتصال لا يمثل حلاً، ولا يرتقي إلى مستوى الدماء النازفة، ويشتغل في المنطقة الرمادية، وللميدان أولويات غير أولويات مجموعة الاتصال، ومجموعة الاتصال تحب سوريا المنهكة، ولا تحب سوريا القوية، أو سوريا الثورة، ورسائل سوريا يجب أن تنقل إلى كل العواصم التي يرغب أبناؤها بالتغيير الثوري.


