سقط محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية مرتين على هامش الثورة المصرية:
سقط المرة الأولى مع سقوط حسني مبارك أمام ثوار الشعب المصري..
وسقط المرة الثانية مع سقوط الفريق أحمد شفيق، أمام الدكتور محمد مرسي، مرشح الإخوان المسلمين لرئاسة الجمهورية.
السقوط الثاني هو الأكثر دويا، والأبلغ تأثيرا، لثلاثة أسباب رئيسة:
الأول: أن نظام مصر الديمقراطي الجديد مقدم لا شك على فتح معبر رفح، وإنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة.
الثاني: أن إنهاء الحصار، من شأنه أن يعزز سلطة حركة "حماس" في قطاع غزة، وعلى نحو يخفف من حجم وتأثير الضغوط المصرية عليها، التي هدفت طوال عهد مبارك، والمرحلة الإنتقالية التي قادها المجلس العسكري، إلى ارغام "حماس" على تقديم تنازلات سياسية لصالح سلطة رام الله، واسرائيل، واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية على قاعدة برنامج عباس.. وهي (الوحدة الوطنية) التي بدونها لا حل سياسيا نهائيا للقضية الفلسطينية، ولا مقاومة مسلحة للإحتلال.
الثالث: أن مصر ظلت على الدوام، وفي جميع عهودها.. الملكية والجمهورية، هي صانعة القيادات الفلسطينية منذ الهيئة العربية العليا بقيادة الحاج أمين الحسيني.. بل هي من أوجد منظمة التحرير الفلسطينية في عهد جمال عبد الناصر، وهي التي فرضت المرحوم أحمد الشقيري، ثم المرحوم ياسر عرفات، رئيسا للمنظمة.. وهي في عهد أنور السادات من فرض أن تصبح المنظمة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.. الصفة التي استخدمتها لمرة واحدة فقط حين اعترفت بإسرائيل، ووقعت معها اتفاق اوسلو..!
مصر تسير الآن نحو الإنقلاب على كل السياسات السابقة فلسطينيا؛
ومصر تسير الآن نحو تغيير قيادة منظمة التحرير من جديد..!
عباس يدرك هذه الحقائق جيدا..
لذلك، فهو عمل طوال المرحلة الإنتقالية في مصر على:
أولا: تعزيز علاقته مع المجلس العسكري قدر المستطاع.
ثانيا: محاولة كسب الوقت، من خلال مناورات "الوحدة الوطنية" استنادا إلى اعتقاده بأن المجلس العسكري، فضلا عن اميركا واسرائيل، لا يمكن أن تسمح بفوز اسلامي رئيسا لمصر.
لقد عمل عباس على خلط اوراقه مع المجلس العسكري، فيما كانت "حماس" تناور عليه وعلى المجلس العسكري معا.
ثالثا: بناء الآمال على أحمد شفيق.. المرشح المدعوم اميركيا واسرائيليا.
كل هذه الآمال انهارت مرة واحدة، ليس فقط بفضل أصوات الناخبين المصريين، وإنما كذلك بفضل ثوار مصر الذين حموا نتائج الإنتخابات، عبر مرابطتهم في ميدان التحرير حتى أعلنت النتائج الحقيقية للإنتخابات.
عباس لم تنقصه الحصافة وهو يكرر طوال فترة الإنتخابات حياديته، واحترامه لنتائج صناديق الإقتراع.
غير أنه يصعب تجاهل حقيقتين اخرتين:
الأولى: نفس (بفتح النون والفاء وتسكين السين) الإعلام الرسمي الفلسطيني إلى جانب شفيق، طوال فترة الإنتخابات.
الثانية: بدء الإعلام غير الرسمي الفلسطيني، المسير بواسطة ريموت السلطة، خلال الفترة الأخيرة، وخاصة بعد إعلان فوز مرسي، التركيز على أمرين:
الأول: انتهاء الفوارق السياسية بين عباس و"حماس" لجهة الحل السياسي للقضية الفلسطينية..!
الثاني: التشكيك في مواقف مرسي، وجماعة الإخوان المسلمين، حيال القضية الفلسطينية..!
لقد بدأ تسريب أخبار من طراز "خيبة أمل فلسطينية من خطاب الرئيس مرسي لعدم ذكره القضية الفلسطينية في خطابه الأول"..!
من يقرأ مثل هذه الإنتقادات، عليه أن يتذكر شخوص وسياسات ومواقف مطلقيها..!
وأن يتساءل: من أين جاء هؤلاء، بكل هذا الحرص على القضية الفلسطينية، التي سبق لهم أن تنازلوا عن كل ثوابتها..؟
وعليه كذلك أن يقرأ نص خطاب مرسي، ليبحث كذلك عما إذا كان ممكنا أن يأتي فيه على ذكر القضية الفلسطينية..؟
الخطاب في كليته هو عبارة عن شكر للشعب المصري الذي انتخب الرئيس، وتأكيد على أن الرئيس هو لكل المصريين، وليس لمصريين دون غيرهم من بقية المصريين، وتكرار للوعود الإنتخابية بالعمل على الإنتقال من الحال الذي آلت إليه الأمور في عهدي أنور السادات وحسني مبارك، إلى الحالي الذي يتوجب أن تصبح عليه.. ومحاولة لانتشال الشعب المصري من براثن الفتن الطائفية التي يعمل معسكر الأعداء على ايقاد نارها بين المصريين.. إلخ.
ثم كان لا بد من وقفتين ضروريتين:
الوقفة الأولى: فعلها من قبل، وسيفعلها من بعد، رأس كل نظام حكم جديد في هذه الدنيا: الحفاظ على المعاهدات والمواثيق الدولية.. بما في ذلك جمال عبد الناصر، وكل قادة حركات التغيير في العالم العربي طوال العقود الماضية.
لكن مرسي تميز عن غيره بتأكيده على أن "الحفاظ على المعاهدات والمواثيق الدولية".. يأتي في إطار "الحفاظ على أمن مصر القومي في كل أبعاده العربية والإفريقية والإقليمية والدولية"..
ألا يكفي ذلك في هذه المرحلة..؟!
الوقفة الثانية: مع الجيش المصري، حيث قال "ليعلم الجميع أن قرار مصر من داخلها بإرادة ابنائها، ليعلم الجميع أن مصر بدعوتنا للسلام مع العالم كله، وأن مصر مع ذلك قادرة بأهلها.. برجالها.. بشعبها.. بقواتها المسلحة، وبتاريخها العظيم، مصر بذلك كله قادرة على أن تدافع عن نفسها وأن تمنع أي عدوان أو تفكير حتى في عدوان عليها، أو على أبنائها أينما وجدوا في هذا العالم".
إلى ذلك، فقد أكد مرسي في ذات الفقرة من الخطاب "وسنؤسس لعلاقات متوازنة بين كل القوى العالمية، ولعلاقات متوازنة بيننا وبين كل دول العالم تقوم على المصالح المشتركة والإحترام المتبادل والمنافع المتساوية المتكافئة بين كل الأطراف، ولن نسمح لأنفسنا بالتدخل في الشأن الداخلي لأي دولة، كما لن نسمح بأي تدخل في شئوننا، ونحافظ بالضرورة على السيادة الوطنية وعلى حدود الدولة المصرية".
قرارات مصر ستنبع بدءا من الآن من داخل مصر، بما يحافظ على أمن مصر..!
أي لا جدار حديديا تزرعه مصر تحت الأرض، لتشديد الحصار على قطاع غزة، تنفيذا لأوامر كونداليزا رايس، كمثال..!
أما الترجمة العملية للتوازن الإستراتيجي، والعلاقات المتوازنة بين كل القوى العالمية، فقد تجلت في دعوة مرسي عبر تصريحات لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "لاستعادة العلاقات الطبيعية مع إيران على أساس المصالح المشتركة للدولتين، وتطوير مجالات التنسيق السياسى والتعاون الإقتصادي".. وصولا إلى "تحقيق التوازن الإستراتيجي فى المنطقة"..!
مرسي، المختلف مع المجلس العسكري على الإعلان الدستوري، وعلى الإعلان الدستوري المكمل، والمختلف معه التيار القومي، وخاصة التيار القومي الناصري برئاسة حمدين صباحي، والذي تعبث اصابع الفتنة بينه وبين ملايين الأقباط، لا يستطيع أن يقول أكثر من ذلك في اليوم الأول لفوزه.
إذا كان من عابوا على مرسي عدم ذكره القضية الفلسطينية في خطابه الأول جادين، ومخلصين فيما قالوه، فليستندوا الآن إلى التوازن الإستراتيجي المصري الإيراني، مع اسرائيل، ليرفعوا سقف مطالبهم من الحل، ويكفوا عن الإنخراط في الأحلاف التي يقودها الثنائي الأميركي ـ الإسرائيلي.
ومن أجل أن تنجح هذه الأهداف الكبيرة للرئيس المصري الجديد، فلتتجاوب القيادة الإيرانية مع مساعيه، ولتكف عن اثارة الفتن المذهبية في المنطقة، وليعد صباحي إلى رشده، ليعزز ويمتن العهد الراديكالي الجديد في مصر، عبر شراكة مرحب بها من رئيس هذا العهد، من أجل مصالح الأمة.
من غير المعقول، ولا المقبول، أن يصطف صباحي على رأس التيار القومي الناصري، إلى جانب "الفلول" ضد مخرجات الثورة، كما افرزتها صناديق الإقتراع.. تماما كما تصطف السلطة الفلسطينية ضد المقاومة المسلحة لشعبها..!
من يريد تصليب المواقف السياسية للعهد المصري الجديد، عليه أن يقف حليفا في خندقه.
هل يعقل أن يظل صباحي منزويا، فيما يتخابث شفيق عارضا التعاون مع الرئيس الجديد..؟!


