الخميس 08 يناير 2026 الساعة 02:23 م

مقالات وآراء

ردا على إبراهيم علوش: فلتعش المؤامرة..!

حجم الخط

لا جدال في أننا مختلفان جذريا في الموقف، من موقع التطابق في الأماني والغايات (في حال افتراض حسن النية).. إذا كنت أنت خير من يعرف مواقفي، وهي دائما مواقف مبدئية، تشكك بي، فعلى الدنيا السلام..!

 

أنا لا أدعو إلى تطابق المواقف، ولكنني أفترض فيمن يقف إلى جانب أنظمة دكتاتورية أن يكون أقل جرأة في التعرض لمن يقف إلى جانب الشعوب ضد هذه الأنظمة، على الأقل لأن الشعوب لا تجمع على ضلالة..!

 

أعرف صعوبة تراجعك عن مواقفك، لأن هذا جزء من سيكولوجيتك، ولكن لا بد من المحاولة، على الأقل لأن هناك آخرين سيقرأون ما اكتبه الآن.

 

ولنبدأ بتحديد المفاهيم والمصطلحات، وكذلك البدهيات.

 

موقف الجبهة الديمقراطية المؤيد للثورة الليبية وانتصارها موقف انتهازي لا يقاس عليه، وهو لا يختلف عن برقية التهنئة بمنصب نائب الرئيس التي بعث بها نايف حواتمة لعمر سليمان، ثم لحسها، ونفاها..

 

المقارنة بين الحالة العراقية والحالة الكذابية، شديد الإختلاف، للأسباب التالية:

 

أولا: لأن المرحوم الشهيد صدام حسين كان صاحب مشروع قومي مقاوم، هدفه رفع راية الأمة، وإعلاء انجازاتها الحضارية، في حين أن مشروع الكذابي هو مشروع فردي، مؤسس على كم هائل من العقد النفسية المركبة، وتعويض مركبات النقص في تكوينه.

 

كلاهما خلط ما بين الأنا والأمة، لكن هذا الخلط عند صدام حسين كان دوما لمصلحة الأمة، في حين أنه عند الكذابي، كان دوما لمصلحة الأنا المريضة الكامنة فيه.

 

صدام حسين استشهد من أجل الأمة، والكذابي يريد أن يموت كل ابناء الأمة ليظل هو.. بل ليظل يعلي الصوت معلنا "طز بالعرب"..!

 

ثانيا: صدام حسين نفذ ثورة عسكرية، مع أنه لم يكن عسكريا، وقد أسبغ على حركة 17ـ30 تموز طابع الثورة مشاركة مناضلي حزب البعث في تنفيذ الثورة، في حين أن الكذابي نفذ انقلابا عسكريا، سارت السرايا التي نفذته من أمام قاعدة هويلس، ولم تحاول القوات الأميركية، أو البريطانية منعه.

 

للأسف أن حزب صدام حسين يقف الآن مع الكذابي..!

 

صدام حسين بدأ مبكرا الصدام مع الولايات المتحدة الأميركية عبر تفكيك شبكات التجسس الأميركية في العراق واعتقال اعضائها، وأنهى حياته يهتف لفلسطين وهو يقتحم حبل المشنقة، في حين أن الكذابي بدأ حياته السياسية جارا لقاعدة هويلس، وأنهاها بتسليم كل ما يتعلق بالملف النووي الليبي لأميركا دون طلب منها.

 

ثالثا: صدام حسين لم يتخل يوما عن عروبته وقضايا امته العربية، في حين أن الكذابي تخلى عن العروبة، وأعلن أنه وليبيا افارقة وليسوا عربا..! فأي موقف قومي هو الذي يملي على أينا أن يقف إلى جانب صاحب الـ "طز بالعرب..؟!".

 

رابعا: صدام حسين قاتل دفاعا عن كل العرب الذين تهددهم يوما خطر تصدير الفتنة الطائفية عبر شعارات تصدير الثورة الإيرانية، في حين أن الكذابي زود ايران بالصواريخ التي قذفت بها بغداد طوال سنوات الحرب الثمان.

 

صدام حسين دافع وقاتل إلى جانب كل العرب من الكويت إلى موريتانيا، والكذابي قاتل وتآمر على كل العرب، ولنعدد لك:

 

وقف إلى جانب ايران ضد العراق.

 

مول وسلح المتمردين الحوثيين في شمال اليمن.

 

تآمر على الوحدة اليمنية ومول وسلح الإنفصاليين سنة 1994.

 

امتنع عن تسليح ودعم الثورة الفلسطينية في مواجهة الغزو الإسرائيلي سنة 1982.

 

تآمر على وحدة السودان وسلح ومول حركات التمرد الجنوبي في السودان، ثم مول وسلح حركات التمرد في دارفو وكردفان وغيرها في السودان.؟

 

ألقى القبض على قادة حركة هاشم العطا في السودان، لمصلحة بقاء نظام العميل جعفر نميري..!

 

تحالف مع نظامي العميلين حسني مبارك وزين العابدين بن علي، ضد الثورتين الشعبيتين في البلدين.

 

أقام علاقات مع اسرائيل، ودعا لحل سياسي للقضية الفلسطينية على قاعدة دولة واحدة بإسم "اسراطين"..! وهذا يعني اعترافه بإسرائيل، فضلا عن أن "اسراطين" هذه لم يقل أنه يريدها أن تكون بقيادة عربية، أو حتى تقوم على مبدأ الشراكة بين "الشعبين"، وترك للإسم الذي اختاره دون شروط أن يجعلنا نتخيل أن تكون هذه الدولة تحت قيادة وسيادة اسرائيل التي نعرفها.

 

التصريحات والتحليلات الإسرائيلية شديدة الوضوح في إبداء اسفها لسقوط نظامه..!

 

تحالف مع جواسيس اسرائيل في السلطة الفلسطينية مثل محمد دحلان، ومحمد رشيد..!

 

هل نواصل التعداد..؟

 

يكفي أنه تنصل من القومية العربية ارضاء لأميركا والغرب..!

 

هل جاء انتصار الشعب الليبي تحت جناح الناتو..؟

 

في مقاله الأخير يلفت خالك أبو فادي (منير شفيق) إلى تصريحات اوباما التي تحدث فيها عن ضرورة التوصل إلى حل سياسي بين الطرفين في ليبيا، مستنتجا وهو مصيب في ذلك، أن واشنطن كانت تريد أن تصيغ معادلة المصالحة الليبية بما يرضي ويحقق مصالحها في ليبيا، فكان أن فاجأها الثوار بحسم المعركة عسكريا، التي قالت إدارة اوباما إنها لن تحسم عسكريا.

 

بالمناسبة، هل يجوز للكذابي أن يتحالف مع القوى الأجنبية ضد شعبه، ولا يحق لهذا الشعب المسكين، أن يتكتك من أجل التخلص منه..؟!

 

النصر إذن لم يتحقق تحت جناح الناتو، وإنما من وراء ظهر الناتو..!

 

والذين حققوا النصر من وراء ظهر الناتو، لا يمكن أن يكونوا خونة، أما مسألة العلاقات المستقبلية بين ليبيا الحرية والغرب، فقطعا أنها ستكون محكومة بعاملين اساسين:

 

الأول: عدم امكانية أن يدار الظهر الليبي لمن وقفوا ظاهريا مع ليبيا في معركة التحرر، حين تبدأ معركة البناء.

 

الثاني: حاجة ليبيا لبناء البنية التحتية وتعمير البلد الذي نكاد نقول أنه بقي على حاله منذ العهد الملكي..!

 

الناتو لم يدمر البنية التحتية والمنجزات الليبية ليعاد بناءها.. لم يجد ما يهدمه.. تكفل الكذابي بالمهمة، حين لم يبن شيئا..!

 

هل يعقل أن توكل هذه المهمة للشركات الروسية والصينية.. شركات البلدين اللذين وقفا إلى جانب استمرار نظام الدكتاتور السفاح..؟!

 

بالمناسبة، إن كنت متمسكا برأيك بأن بقاء نظام الدكتاتور أفضل من الإحتلال، أرغب بأن أوضح لك:

 

أولا: أن دور الناتو اقتصر على الغارات الجوية التي تركزت على أهداف وهمية بهدف زيادة فاتورة الحرب، وإطالة أمدها، كما بين خالك.

 

لا توجد قوات برية للناتو على الأرض الليبية كي يتحقق الإحتلال الذي تتحدث عنه.

 

ثانيا: إذا تحقق الإحتلال فإنه بالقطع يكون أفضل ألف مرة من استمرار نظام الكذابي، وذلك للأسباب التالية:

 

الإحتلال يهيمن على الثروات الليبية، وهذا ما كان يفعله الكذابي.

 

الإحتلال يصادر حرية ليبيا، وهذا ما كان يفعله الكذابي.

 

الإحتلال يقتل من الليبيين أقل بكثير مما قتله الكذابي..!

 

الإحتلال يخلص ليبيا من الكذابي ويوحد الليبيين على مقاومته، دون انقسامات داخلية، صنعها الكذابي.

 

بالمناسبة، هل كنت تجد طريقة أخرى لتحرير ليبيا، وانقاذ بنيها من الموت غير الثورة المسلحة، التي فرضها الكذابي حين تصدى بكامل ترسانته العسكرية يقتل بها الليبيين..؟

 

لقد بدأ الحراك الشعبي الليبي سلميا.. مظاهرات تطالب بالإصلاح والحرية، جاءها الرد بالمدفعية والصواريخ والقصف الجوي، فهل كان مطلوبا من الشعب الليبي أن يستسلم..؟!

 

لقد بلغ الأمر حدا يتطلب الإختيار بين أن يسلم الكذابي بمطالب الشعب، أو أن يسلم الشعب للكذابي..؟ فماذا تختار..؟!

 

بالمناسبة لا نستطيع وصف من يقف إلى جانب الكذابي أو بشار الأسد بأنه قومي، ما دامت برامجهما فردية غير قومية..!

 

لقد صبرت، وتحاملت على نفسي كثيرا، قبل أن اقرر ضرورة البوح بالموقف الصائب ضد هذين النظامين المجرمين.. يكفي أن نظام الأسد سجن إبن عمتك لسنوات طوال دون مبرر.. فقط لأنه صاحب رأي غير مطابق لرأي النظام. وأنا لا أقصد تحريضك، لكن ما تعرض له سلامة ليس غير عينة من ممارسات هذا النظام.

 

وأريد أن أقول لك أن الكذابي يا دكتور ابراهيم لم يقاتل الناتو أبدا.. ثم كيف له أن يقاتله (إن أرد)، وطائراته تحلق في السماء فارضة سيطرتها الكاملة على سلاح جو الكذابي..؟

 

لقد انصاع منذ البداية لشروط الناتو.. إنه الآن يريد أن يحارب ثوار الشعب الليبي الذين حسموا الموقف عسكريا لصالح تحرير شعبهم وبلدهم، بالضد من تكتيكات الناتو..!

 

بالمناسبة ليس الناتو وحده عدو الأمة..

 

الكذابي والأسد أيضا عدوين لدودين للأمة.

 

لقد قتلا من ابناء الأمة أكثر بكثير مما قتلت اسرائيل في حروبها مع سوريا وغيرها من الأقطار العربية.

 

في كل ما قلته يا ابراهيم، أؤيد فقط أمرا واحدا هو أن الثورات التي تستعين بالناتو هي ثورات مضادة..!

 

بكل تأكيد هي ثورات مضادة للدكتاتورية، أما الحديث عن جنس الديمقراطية يا ابراهيم، وما إذا كانت ديمقراطية ليبرالية أو غير ذلك، فهو حديث أشبه ما يكون بأحاديث المشايخ عن جنس الجان.. أذكر هو أم انثى، فيما الكذابي واشباه الكذابي يسفكون دماء ابناء الأمة.

 

وأختم بإبداء قناعتي التامة في أن والدك، وأستاذي (ناجي علوش)، لا يؤيدك في المواقف التي تذهب إليها إلى جانب اعداء الأمة الدكتاتوريين، دون أن اسأله في هذا.

 

لقد تعلمنا منه دوما أن مواجهة العدو الخارجي تكون قبل أي شيئ آخر في تصويب الوضع الداخلي.

 

الشعوب الحرة فقط هي التي تقاتل العدو الخارجي وتنتصر عليه، أما الشعوب المقموعة فلا يمكن أن تقاتل دفاعا عن قيودها.

 

ثم أن سنة الحياة تؤكد أن الطغاة يخلقون الغلاة، والغلاة يأتون بالغزاة، فلم تريد يا ابراهيم أن توقف هذه السنة في ليبيا وفي سوريا..؟!

 

الطغاة هم الأساس في كل ما يتبع طغيانهم أو ينتج عنه.

 

وأخيرا، إن ظللت تصر على أن ثورات الشعوب العربية هي مجرد مؤامرة، فإنني أهتف بأعلى صوتي: فلعتش المؤامرة..!