الأربعاء 07 يناير 2026 الساعة 08:15 ص

مقالات وآراء

مدنية لا عسكرية

حجم الخط

 

مدنية أم عسكرية؟ هذا السؤال يلخص مستقبل مصر. منذ ثورة 1952م والعسكر يحكمون مصر. حقبة العسكر الممتدة على مدى ستة عقود أنتجت التخلف والهزيمة والاستبداد، وتحكم العسكر في الحياة العامة. كان مبارك آخر حكام العسكر. لم تكن ثورة يناير المجيدة ضد مبارك فقط، بل كانت ضد العسكر أيضًا، وضد الاستبداد والقمع.

 

لقد أجاد المجلس العسكري خيوط اللعبة، وحصل على تفويض من الثورة بقيادة مصر في الحالة الانتقالية. كانت الثورة مضطرة عند منح العسكر التفويض، وتشعر الآن أنها ليست مضطرة لقبول حكم العسكر، ولقبول تمسكه بالسلطة، أو عبثه بالديمقراطية الوليدة من خلال القضاء، ومن خلال اللجنة الانتخابية.

 

لقد اكتشفت الثورة، واكتشف الشعب، واكتشفت الأحزاب أنه ثمة ثورة مضادة تستهدف بقاء سلطة العسكر في الحكم، إذا ما فشلت جهودهم في ترسيم أحمد شفيق رئيسًا لمصر.

 

المشكلة الآن في مصر تتلخص في الصراع حول إقامة الدولة المدنية، وإبطال الدولة العسكرية. وليس صحيحًا ما يزعمه الإعلام بأن المشكلة بين الإخوان وبين العسكر، أو بين الإسلامية والمدنية، فكل من في التحرير يجمعون على الدولة المدنية، ولا أحد منهم يقبل بالحكومة العسكرية.

 

العسكر في مصر تربعوا على قمة الحكم، وعلى قمة الاقتصاد، وعلى قمة الدولة والمصالح، ولن يقبلوا مغادرة مشهد القمم بانتخاب محمد مرسي، لذا فهم يدفعون الثورة بقوة إلى الخلف محافظة على مصالحهم، ولا يقبلون بتطمينات مرسي والإخوان. الإخوان بيدهم القلم، وهم يكتبون به ما يريدون، وليس في وسعهم إسلام قلمهم لغيرهم، لذا هم يراوغون الثورة ويناورون على الانتخابات، فبيدهم قوة النيران، وقوة الجيش. ويزعمون في القوت نفسه حماية الأمن؟!

 

من يملك القوة يستظهر بالذكاء وبالإعلام، وبالقانون أحيانًا ليصل إلى ما يريد دون أن يستخدم القوة، ويكتفي بإبقائها تحت الطاولة، على مرأى ومسمع ممن يجلسون في مقابله.

 

لا يوجد في مصر صراع بين المدنية والإسلامية، ولا بين الإسلامية والقبطية، ولا بين الإخوان واليسار، ولا بين الإخوان والليبراليين، الصراع في مصر ينحصر مائة في المائة بين المدنية والعسكرية. بين الهزيمة والمستقبل. بين المصالح والعدالة الاجتماعية. وكل المعارك التي يضخمها الإعلام في القنوات الفضائية هي معارك وهمية.

 

مصر الثورة تريد حكومة مدنية، وتريد أن تجرب الرئيس المدني، وتريد الخروج من ثوب العسكر، لقد جربت مصر العسكر وكانت التجربة خاسرة، وهي تريد تجريب المدنيين من إخوان ومن غيرهم لتنظر في أمر ما يصلح مصر، ويستعيد لها كرامتها وريادتها. ولكن العسكر متمسكون بالسلطة، وإن تظاهروا بحرصهم على تسليمها، فآخر ما يزهد فيه المرء هو الرياسة، التي هي أحب إليه من الذهب والفضة والنساء. مصر الثورة عرفت أن ميدان التحرير هو أقصر الطرق للوصول إلى الدولة المدنية، وهم غير معنيين الآن بالمراوغات.