رش المطر فأصبحت سيارتي بلون الفيران والسنجاب والجرذان من وحل انساب فلطخ العتبة والرفرف. لكن شجاهان وأمير علي ابتسما وهما يقبضان الريالات الخمسة عشر بعد غسيل وعرق في ربع ساعة. هكذا وحلت الأمطار السيارة ولكن مصائب قوم عند قوم فوائد. يقول الغزالي عن المال أنه كمية واحدة يطير من يد فيحط في يد.
ومن يسرق المال العام فهو يسرق الناس جميعا. وحين ضرب سوروس إمبراطور المال اليهودي الهنجاري ضربته في بريطانيا فكسر الجنيه؛ قالوا يومها لقد مد (زورو) يده إلى جيب كل بريطاني فسرق سنتا. ينطبق هذا القانون على أمور عامة في فروع شتى؛ المريض حين يمرض المرض له مصيبة، وهي عند الطبيب مصدر دخله وراتبه. كنت أسمع من بعضهم قوله: حالة ظريفة! ما ظرافة الحالة؟ إنها الظرافة والندرة للطبيب والكارثة للمريض والمعتر.
يقولون عنها حالة مثيرة (Interesting Case) وهي البشاعة كاملة عند المريض: أم دم مخيفة على وشك الانفجار بحياة المريض ومصيره. سرطان في القولون ـ تشوه في الرحم ـ كيس مبيض عرطل ـ توسع شرياني تالي لناسور بين الشريان والوريد، انسداد مخرج المعدة الطارئ، انفجار زائدة دودية حادة ـ كيس مراري محشي بالحصيات… وهكذا..إنها مصائب للمرضى ولكنها فوائد للأطباء علما ودراسة وكشفا وتداخلا للعلاج وقبل ذلك مصدرا للدخل والراتب. يقولون عن الأطباء أنهم أعلى الناس دخلا خاصة فيمن يعمل في القطاع الخاص واستولت سمعته على المشارق والمغارب فهذا غمامة المال تدر عليه ذهبا وفضة، في الوقت الذي يبقى معظم الأطباء على الهامش بالكاد يسدون رمقهم ويسترون عورتهم ويدفعون نفقات أولادهم وسمعتهم أنهم أطباء.
من أعجب ما كنت أسمع في القطيف حين اشتغلت بها طبيبا يوما ما أحد الأطباء وهو يدعو وأنا لا أصدق ولا أؤمن على دعائه: اللهم كثرَّ عسرة المخاضات وحوادث السيارات وارتجاجات الدماغ وحالات البطن الحادة فهي أرزاقانا التي منها نعتاش، ومنها نرسل الأولاد للدراسة في بلاد الكفار ـ عفوا ـ الاختصاص في أوروبا وأمريكا الشمالية. ينطبق هذا المثل أيضا على تفجر السدود، وهبوط البنايات، وانكسار الجسور، وتسمم الغذاء في المطاعم، وعطب التلفزيون، وتوقف الفيديو، وسقوط الموبايل في الماء، وسرقة بطاقة الائتمان، واكتشاف خلل ذراع السيارة في الفحص الدوري؛ بل وحتى الحروب لتجار السلاح؛ فهي لأصحابها مصيبة وهي لمصلح الموبايل مصدر رزق، ولميكانيكي السيارة أن يدحش جيبه بخمسين ريالا في عمل خمس دقائق، ورزق للمهندسين، وعمل للجان التحقيق وإغلاق محلات التسممات قطعا لرزق صاحب المحل، وعملا لهيئة البيئة والملاحقة في البلديات حرصا على صحة المواطنين.

