الانتخابات المصرية مصيرية لأنها ستقرر مصير المنطقة سياسيًا ومصير مسيرة الربيع العربي المتنقل في العواصم العربية، ولأنها كذلك كانت محط اهتمام العالم، ومحط تدخلات قوى ظاهرة وأخرى خفية، وهي في الوقت نفسه تمتلئ بالغريب، وبالسخيف أيضًا، في عملية المدافعة الحزبية للفوز بالقيادة وبالرئاسة.
ومن السخيف أن يقف على الشاشة الصغيرة شاب في الخامسة والعشرين ينتسب إلى إطار يساري في الثورة المصرية، بين أساتذة كبار ليس بينهم ممثل عن الإخوان، ليقرر على الملأ العام داخل مصر وخارجها أن الإخوان غادروا الثورة في 11/فبراير/2011، وأنهم إذا قرروا العودة إلى الثورة فلنا عليهم شروط، وأن من يُمثل الثورة الآن صباحي وأبو الفتوح وبالطبع هو وإطاره التنظيمي؟!
إن احترام الشباب وتقدير الروح الشابة والثورة غاية في الأهمية في نجاح الثورة وفي البناء أيضًا، ولكن احترامهم لا يعني الصمت والسكوت على سخافة بعضهم، وتطاول ألسنتهم، فالإخوان في مصر لهم (83 عامًا).
وهم في ثورة ممتدة يواجهون النظام منفردين، ودفعوا ضريبة ثورتهم على الاستبداد من خيرة رجالهم وأعمارهم، ومرشح الرئاسة (محمد مرسي) كان لتوه في سجن مبارك، ولم يخرج منه إلا يوم سقوط مبارك، وكذا خيرت الشاطر وغيره، ولم يكن المتحدث عن الثورة هذا إلا متفرجًا كغيره على عذابات الإخوان، ولا أحد ينكر أن الثورة كانت للشعب كله، ولا أحد ينكر أن الإخوان كانوا عمود الخيمة فيها بحكم التنظيم والخبرة، فكيف لهذا الشاب ومن يمثله أن ينتحل المسئولية عن الثورة ليوزع شهادات على الثائرين؟!!
إن مثل هذا الحديث لم يخرج عن استراتيجية مجرمة تستهدف شيطنة الإخوان، والتحريض ضدهم، وتشويههم، والتشهير بهم، وسلبهم كل فضيلة، حتى لا يعطيهم الناخب صوته. الإخوان كغيرهم يخطئون ويصيبون، ولكنهم ليسوا (محتكرين، ولا مكوشين، ولا سيئين) بل هم الأحق بالقيادة والرئاسة لأنهم هم الثورة منذ أن كان المتحدث الهمام في (الكفولة).
ومن الغريب السخيف أيضًا أن يكتب مفكر عربي مقالاً من خلفية يسارية، وقومية، وكراهية للإسلاميين موروثة، يعتبر أن الثورة مازالت بخير رغم فوز (محمد مرسي)، ثم يخاطب شباب الثورة ويطلب منهم نبذ شعور الإحباط، وأن الإخوان تراجعوا إلى حجمهم الطبيعي، وهذه علامة مفيدة للثورة؟! كان بإمكان هذا المفكر المبجل أن يشارك في تحليل الحدث بنزاهة وموضوعية رغم يساريته، ورغم كراهيته للإسلاميين، فالعلم مشاع بين الناس، ولكنه حين يعبر في تحليل عن كراهية وغبطة بتراجع الإخوان، إنما ينضم إلى تلك الخطة الاستراتيجية الخبيثة التي عملت على مدى عام ونيف ضد الإخوان المسلمين لشيطنتهم.
ونزع الشرعية الثورية، والشرعية الانتخابية عنهم من خلال فوضى الأزمات الخلاقة، وفوضى الاتهامات الإعلامية المضللة، التي لم يشهد مجتمع من المجتمعات مثيلاً لها، ولا مثيلاً لهذا التلاقي الذي ضم شركاء متشاكسين من اليسار، والليبراليين والعلمانيين، والعسكر وفلول النظام، وقوى من داخل المجتمع وخارجها نحو هدف حرمان الإسلاميين من مقعد الرئاسة، وكأن ذلك الفوز تكويش واحتكار، ونظام شمولي، واغفلوا تجارب فرنسا وبريطانيا وأمريكا، حيث يكون الرئيس من الأغلبية، ورئاسة البرلمان من الأغلبية، ولا أحد ينكر على ديمقراطي أو جمهوري ذلك، بل يعده فضيلة بحصوله على ثقة الشعب. الكراهية عزيزي المفكر تنحرف بالمخرجات، وتجعل التفكير سخافة.
