حتى نفهم ما يحدث في سوريا وثورتهم تدخل شهرها الرابع عشر، يجب وضع قانون نفسي هام بين أثر السبب والنتيجة، كما يقول مالك بن نبي عن جدلية السبب والنتيجة فيقول: كل حدث هو في تأرجح بين السبب والنتيجة، فهو نتيجة لما سبق من أحداث في الزمن، وهو بنفس الوقت سيكون سببا لما سيتلوه من أحداث في تتابع الزمن. والذاكرة هنا تلعب دورا محوريا فإذا رأيت اجتماع شخصين تنافرا منذ اللقاء الأول فتشكك في تاريخ العلاقة.
وحين نرى الكراهيات وتبادل موجات الريبة والشكوك بين طائفة وأخرى، ومذهب ومذهب، وملة وملة، وقوم وقوم، ونحلة ونحلة، فلأنها من تاريخ مرير. وأصعب شيء هو بناء جسور ثقة بعد تكسرها، وهو الحاصل في سوريا بين النظام والشعب، ولذا سيطول المخاض وتعظم التضحيات ولا نتمناها. وأكبر التحدي لجراح، الدخول في مكان عبث فيه جراح سابق فأفسد وأضر. والطعام الفاسد تعافه النفس للولوغ السابق فيه.
ومن سار في طرق فشل فيها غيره وجرب، فهو كما قال المثل من جرب المجرب فعقله مخرب. هذا بشكل عام ولكل قانون استثناء. وفي هذا يتحدث علماء الاجتماع عن أثر رفرفة جناح فراشة في فرانسيسكو أنها قد تكون خلف تايفون في بحر اليابان، فعلى المرء أن لا يستخف بالصغير، فمعظم النار من مستصغر الشرر، والحجر الصغير الذي لا يعجبك يشج رأسك، وعلى الجراح أن لا يقول عن عملية أنها صغيرة حتى يخرج منها فيقول كانت بسيطة ويحمد الله. والتنور حينما فار أدرك نوح أنه وقت الطوفان وسخر قومه منه، وحين جاءت ريح عاد قالوا هي عارض ممطرنا فتحولت إلى (..ريح صرصر عاتية، سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، فهل ترى لهم من باقية).
سوريا تعيش تحت البسطار (الحذاء العسكري) منذ أربعين عاما ونيف، تنام على الرعب، وتستيقظ على الفزع، طعامها البؤس، وشرابها المذلة، وتنفسها المحسوبية والرشوة، ليس من عائلة، حارة وبناية إلا واعتقل منها إنسان. ولذا اختار الناس الهرب من البلد دون إسرائيل تهجر الناس فهاجروا أرضهم طائعين من أمثالي وهم بالملايين، لأنه لم يبق ثمة وطن، بل سجن كبير، ومقبرة عظيمة، وحفار قبور يحمل الرفش للدفن، وسكينة صفراء وهواء يصفر بكآبة.
لذا كما قالت مجلة دير شبيجل الألمانية في عددها (112012) في تقرير عن سوريا، إنه لم يبق إلا فريقان كل منهما لن يتراجع، الثورة خوف السحق إذا انتصر النظام، والنظام خوف الثأر بعد أن سبح في الدماء وبنى قلاعا من الجماجم.
