1- مدخل.
كنت في حلقة سابقة تحدثت عن مؤتمر عقد في بلاد شنقيط وألقيت فيه كلمة ذكرت طرفاً منها في تلك الحلقة، والآن في هذه الحلقة أواصل ما تبقّى من الكلمة. وأعاود الحديث عن دور السفارات العربية، وأن يختار الأشخاص ذوو الغيرة والقدرة، ولقد رأيت نموذجاً تحدّثت عنه في الحلقة السابقة، ولكن المطلوب المزيد.
وذكرت أهمية إفريقيا كقارة، وموريتانيا تحديداً كبوابة تقف على عتبة هذه القارة تصلها بالعالم العربي، فيجب أن تلقى منّا عناية فائقة.
ولتكن صلتنا بهذا البلد ثقافية علمية دينية اقتصادية سياسية لمنفعة ولمصلحة الجميع، وفوق ذلك الأمة وقضاياها، وترابطها وصلتها وأخوتها.
فإلى النصف الثاني من الكلمة، ونسأل الله السداد والرشاد في القول والعمل والتوفيق والقبول.
2- تجارب في الحوار.
ومن التجارب التي مرّت بنا في العالم العربي لنا دروس، فقد كان تكفيريون في سجون مصر، ومثلهم في سجون الأردن، وغيرهما، ولقد التقيت مع صلاح أبو إسماعيل والغزالي رحمهما الله، ومع عبد الله شحاتة رحمه الله، وكيف كان لهم دور في محاورات هؤلاء، ورجعة عدد منهم إلى الطريق، ومصطلح المراجعات معروفاً. ولقد عشت مع صلاح أبو إسماعيل شهر رمضان بطوله قبل وفاته، نسهر كل ليلة حتى الفجر، وهو يحاور مجموعات من هؤلاء، وهو يستوعبهم بفكره الواسع وصدره الحاني عليهم كأب شفيق يريد عودتهم إلى جادة الحق وسعادتهم في الدنيا والآخرة، ولذلك كان هذا الحنو مغناطيساً يجذبهم إلى مجلسه كل ليلة ويهدئ من ثائرتهم، حتى يستمعوا إلى الكلمة السواء. وحدّثني رحمه الله عن جهود خاض مثلها في مصر، وما تحدّثت عنه كان في الدوحة قبل أكثر من عشرين سنة، في السنة التي توفي فيها رحمه الله.
وفي الأردن لبعض أحبابنا وطلابنا جهود مشابهة، وقد نجحوا في رد فريق لا بأس به إلى طريق الحق وسواء السبيل.
3- التطرف والغلو في الدين داء قديم.
ما من أمة في التاريخ إلاّ نبتت فيها نابتة خبيثة سامّة اسمها الغلوّ والتطرّف.
ذاك أنّ الغلو في طبع الإنسان الذي عليه تهذيبه وتشذيبه، فإذا أحب غلا وإذا أبغض غلا وإذا قدّر قدّس وغلا.
أما رأيت كيف ألّهوا المسيح عليه الصلاة والسلام؟ وإن هو إلاّ عبد. أما رأيت إلى شعب يزعم أنّه شعب الله المختار وأنّه لن تمسّه النار إلاّ أياماً معدودات؟
وصدق الله العظيم إذ قال عن الإنسان: "كلا إنّ الإنسان ليطغى" والفرق بيننا وبينهم ليس في الإنسان الذي قد يتطرّف، إنّما في بنية المنهج وصميم التعاليم.
فبينما عندنا النهي واضح صريح عن الغلوّ، والدعوة إلى الوسط والتوسّط والعدل والاعتدال، والوزن الحق وبالحق، نجد عند الآخرين الدعوة إلى التطرف في صميم النصوص، بعد أن حرّفها أصحابها بطبيعة الحال. واقرأ في كتابنا: "يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم"، وأعادها القرآن في سورتين متتاليتين فصّلتا الحديث عن أهل الكتاب، هما سورة النساء والمائدة.
ولأمر حكيم حمل المسلمون الدعوة السلمية بالكلمة طيلة العهد المكي مدة ثلاث عشرة سنة كان الأمر فيها: "كفّوا أيديكم"، وكان الأمر بالإعراض والصفح والصبر الجميل والهجر الجميل، وعندما جاء الأوان وأذن للمؤمنين بالدفاع عن أنفسهم كان الأمر الإلهي بالاعتدال حتى في القتال وعدم الاعتداء فيه: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنّه لا يحب المعتدين"، ولو تأملت موقع آيات القتال وجدت عجباً: إنّها بعد آيات الصيام التي تعلي الروح وتهذّب الروح، وبعدها آيات الحج التي تزكي الروح وتسمو بالروح، فالقتال محاط بالتزكية والإعلاء والتسامي من قبل ومن بعد، لأن القتال مظنّة الجنوح وانفلات الضوابط.
أما رأيت كيف تعرّت الحضارة الغربية وظهرت في أبشع صورها في فلسطين ودعم الظالمين المحتلين، وفي استعمار كل دولنا، وخاصة في الجزائر وليبيا والمغرب، ثم أخيراً كان الإسفار عن الخبيئة الخبيثة في طباعهم، وذاك ما تجلّى في العراق وبلاد الأفغان.
هذا الفرق بيننا وبينهم، أنّ الجهاد في ديننا جراحة يُحتاج إليها في الضرورات القصوى في حالات خاصة جداً لمقاومة عضو تالف، وعندهم عدوان دائم للنهب والاغتصاب، واستئصال العضو السليم.
وأعجب من ذا أن ينجحوا في إلقاء صفاتهم على غيرهم، أعنينا بالذات. والغريب أنّ العالم يمشي معصوب العينين كالأعمى، يردد وراءهم كالببغاء أنّ الإسلام، وليس المسلمين فقط، هم رمز التطرف كما قال "فالويل" القسيس صديق بوش الصغير، ومعاذ الله بالطبع.
وحتى الناشئات الناشزات والنابتات المرفوضات إسلامياً في كل البيئات والأوقات، هذه النابتات ترعاها حاضنات من أصحاب تلك الحضارات لتشويه الجمال المطلق في دين الاعتدال المطلق.
4- التجارب المريرة العديدة أثبتت عقم خطاب العنف.
العاقل من علّمته التجارب، والله تعالى جعل الحوادث السابقة عبرة لمن يعتبر. وفي موضوعنا المحدد فلقد مرّت الأمة بتجارب عديدة عقيمة مريرة خطيرة، ففي الجزائر فقدنا ثلث مليون، وليت هذا العدد من القتلى قدّم الإسلام إلى الأمام، بل أرجع الدعوة هناك عشرين سنة إلى ثلث قرن إلى الوراء.
وفي العراق تفانى الناس في حرب مجنونة فقدنا فيها مثل العدد الذي فقدناه في الجزائر، فأضعفت البلد وأخّرت العمل للإسلام كذلك عشرات السنين إلى الوراء، وزرعت من الأحقاد والنفار ما يحتاج إلى عشرات السنين لمحوه، هذا إن بذل جهد لذلك. وما يجري في نيجيريا اليوم من عمليات تفجير في كنائس لن تردّ المسيحيين عن دينهم، ولن تقوي شوكة المسلمين. ما أحوجنا إلى رأي سديد لا إلى عنف شديد! وإنّ نصرة الدين بالحجة من عالم حجة أفعل ألف مرة من انتحاري فجّر نفسه في كنيسة. لا نردّ على الحمق بالحمق.
ولا ندري هذه الجماعات من وراءها ولا من أيّ فكر تستقي، ولا ندري هذا التطرف باسم الإسلام من يغذّيه! ألا عقلاء في القوم يردّون إخوانهم إلى الدعوة بدل توسيع الهوة بالقتل والسحل؟!
وبعد، يا أيّها الأحباب والأعزاء، أفيدعونا الله إلى دعوة أهل الكتاب إلى كلمة سواء، تحكم العقل، وتغلب صوت الفكر، والرشد، ولا يدعونا نحن المسلمين إلى مثلها؟ أفتظنون هذا يكون؟ وما أجمل كلمة قالها علي في الخوارج حينما قيل له: أفنكفرهم كما يكفروننا؟ فقال: هم قوم من الكفر فرّوا، وإنّما هم إخواننا بغوا علينا.
بالأخوة والرحمة والحنو والإشفاق والنصح والترفق مع الفكر العميق الصحيح الحق نعيدهم إلى الطريق، وإلى الفهم السليم السوي غير المتطرف وغير المنحرف. والسلام.


