الإثنين 19 يناير 2026 الساعة 05:45 م

مقالات وآراء

الفن مقاوماً.. فريق الوعد نموذجاً

حجم الخط

 

يمشي لهم عشاق الفن الملتزم بالمشوار أينما حلوا ويتفاعلون مع نشيدهم بكل ذرة في كيانهم بحيث تذوب فوارق العمر و ران السنين فيشتعل الكبير كما يشتعل الشاب فما يقدمه فريق الوعد ليست أناشيد و إنما ملحمة نضالية و قضية حية تشحن العواطف الى أقصى الدرجات على أمل أن ينتقل صاحبها من مرحلة الشعور الى مرحلة الفعل على أرض الواقع.

 

فريق الوعد من لبنان نموذج لما يمكن أن يقدمه الفن إذا ارتبط بفكرة سامية تحرص على المعاني كما تحرص على المباني و تحرص أن تترك أثرا لا مجرد مرور عرضي ما بين الأذن اليمنى و اليسرى لا يعبر بالقلب أو العقل، فمضامين نشيدهم تركز على قضايا الأمة و همومها و احياء و حفظ الذاكرة في أدق تفاصيلها، كما تركز على إبراز دور المرأة والرجل في صناعة النصر و تحتفي بالأرض و الإنسان والتاريخ ضمن رؤية استشرافية مستبشرة بأن هذه الأمة قادرة على استعادة مجدها ان سارت على طريق أجدادها.

 

إن الفن وشخوصه ومضامينه يخبرون عن ازدهار الأمة و نهضتها كما تخبر الآلة العسكرية و التكنولوجيا، فالفن وعاء فكري وديوان حضاري لذا قيل عن الشعر أنه ديوان العرب الذي وثق حياتهم وتاريخهم، ورقي الفن سفير يعبر عن رقي الحضارة التي يمثلها و رقي أهلها، و تزداد أهميتة بالذات لشعب يعايش الظلم و الاحتلال و يحتاج أن يرسل رسالته لأبنائه وللعالم بالكلمة واللحن ولذا قال الفيلسوف الفرنسي سارتر «الكلمة ليست نسيمًا عليلاً يداعب مخيلاتنا وعقولنا دون أن يؤثر فيها، ولكن الكلمة هي أداة الإرسال والاستقبال والتوجيه»، ويشبِّه الكلمة «كالمسدسات المحشوة» قد تحمي الخير أو تساهم في الإجهاز عليه، ويزداد أثر الكلمة ورسوخها في الوجدان إذا كانت ملحنة ومغناة ومؤداة بطريقة إبداعية تجعل الكلمة تتحول الى منشد يؤمن بها حد اليقين ويجاول إيصالها للجمهور بذات الإحساس و الوهج.

 

لقد جعل الله سماع الأذن من نعيم الجنة فقد جاء في وصفها أن فيها ما لا أذن سمعت، دلالة أن الانسان يتمتع بما يسمع من كلام طيب فالجنة لا تقبل الا طيبا، وكذلك جعل الرسول صلى الله عليه وسلم للشعر والكلمة حظا من المقاومة و الحرب فقال يومًا للأنصار: «ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم؟!» فقال حسان بن ثابت: «أنا لها» وكان النبي يثني على شعر حسان، وكان يحثُّه على ذلك ويدعو له «اللهم أيده بروح القدس» و قال له: «إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله»، و كان سيدنا عبد الله بن رواحة أول من ساق نفسه مترنما بالنشيد نحو الجنة إذ قال:

يا حبذا الجنة واقترابها

طيبة وبارد شرابها

والروم روم قد دنا عذابها

علي إن لاقيتها ضرابها

 

فالنشيد كما البندقية من أسلحة المقاومة المشروعة و هو يبني في الروح و العقل عقيدة الصمود و التضحية ككلمة خير أصلها ثابت وفرعها في السماء، و فرق كبير بين كلمة ولحن تبني فينا أجمل المعاني و بين كلمة ولحن تهبط بإنسانيتنا و قيمنا الى أسفل سافلين.

والفن الآن كما حياتنا بحاجة الى تثوير وثورة تأخذ بيد الصالحين والمبدعين وتستثني من ينتهكون الذائقة والذوق العام، فالإبداع ليس حيوانا جامحا يضرب في كل اتجاه دون عقل و لا لجام! ليس الإبداع الا ما بنى وجمل وحسّن السمع والبصر والفؤاد لتقوم بمسؤوليتها العظمى في عمارة الأرض.