1- مدخل.
دُعينا إلى مؤتمر في موريتانيا حول الحوار، وقد اهتمت به كل وسائل الإعلام، وتمّت رعايته على أعلى المستويات. ولأول مرة أزور موريتانيا، وهو بلد يحتاج منّا إلى التفات واهتمام، وكم هي كثيرة الأمور التي ينبغي الالتفات إليها والاهتمام بها. وقد دعانا الملحق العسكري الأردني، واحتفى بنا احتفاء لا مزيد عليه، وكان يوماً من أجمل أيام رحلتنا، بل من أجمل أيام العمر، رأينا فيه من كرم الأردنيين ما لا يوصف ولا مزيد عليه، وكان من الحضور "أبو زيد"، وهو شخص لا يقلّ لطفاً عن "معزبنا" العبادي. وأكلنا في موريتانيا المنسف الأردني على أتم قواعده وأصوله، وسهرنا سهرة لا أحلى ورأينا من دفء الود ما أنسانا كل معاناة وتعب. ومهما قلت فلن أصف ولن أوفي، فكرم القوم ولطفهم أكبر من كل الكلمات، وكم كان هؤلاء نِعم من يمثّل الأردن، وكم ترك في نفوسنا مثل هؤلاء الأشخاص من أثر كريم سيظل إلى آخر العمر. وما أحوج العالم العربي أن يفتح الآفاق مع أجزاء الوطن العربي والعالم الإسلامي ولا يتركهم نهباً للجهات الدولية. متى تعود الفعالية إلى الأمة؟ متى تنتبه لذاتها؟
والمدهش ولع إخواننا الموريتانيين بالمؤتمرات والمتابعة الحثيثة وكثرة المعلقين، حتى لقد قلت في أول كلمتي: رفقاً بكم أتنازل عن كلمتي وتحت الإلحاح ألقيتها (واشترطت ألاّ تكثر التعليقات رحمة بالناس). فإليكموها..
2- موريتانيا وأفريقيا.
بسم الله والحمد لله والصلاة على رسول الله. أيّها الأحباب سلام عليكم، وكان الله في عونكم وعون المتكلمين! وبعد.
فألقت عَصَاها واستقر بها النوى كما قرّ عيناً بالإياب المسافر
وأخيراً حطّت بنا الرحال في بلاد شنقيط، في موريتانيا، البلاد التي على البعد حفظت متون العربية، وحفظت العربية، وكانت من الأقرب بين العرب إلى العربية. موريتانيا والسودان بلدان مهمان من حيث أنّهما بوابتان لقارة أفريقيا، القارة التي ينبغي أن تكون قارة الإسلام.
ولكنها من أسف يزاحمنا فيها، بل يطمع في المسلمين فيها أصحاب الدين وأصحاب الحضارة التي اختطف أهلها خِلسة (40) مليوناً من شباب أفريقيا، لتُعمِّر أوروبا بهم دولها ومدنها وتشق طرقها، ولتعبْر أمريكا بهم وبجهودهم وعلى أكتافهم وبسواعدهم من عصر إلى عصر، ولتبني أمريكا المعاصرة المزدهرة الزاهرة العامرة الخضراء.
يجب أن نضع نُصب العين أن تعود قارة أفريقيا إلى حمى الإسلام وحضن الإسلام وحصن الإسلام، ولنضع خطة (2050) قارة أفريقيا قارة الإسلام. ولنضع الخطة، ولنسْع في تنفيذها بكل طاقة وكد وكدح وجهد وعزم ومضاء بالدعوة، لا بالتخريب، بالإحسان لا بالعدوان. بالحرق والقتل والتفجير لا نعيد أفريقيا إلى الإسلام. وبالحب والرحمة والدعوة نعيد أفريقيا إلى حمى الإسلام. هذه مهمة محمد صلى الله عليه وسلم والأمة تكمل المهمة: "وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين".
تحية لموريتانيا بوابة العرب إلى قارة الإسلام، تحية طيبة عطرة لهذا البلد البسيط في مظهره والكريم العميق كمحيط في معدنه ومخبره!
3- دور الحوار وأهميته.
في البَدء كان الحوار وإلى المنتهى يظل الحوار. مذ قالت الملائكة: "أتجعل فيها"، وإلى أن تقول الملائكة: "ألم يأتكم نذير". وكان الحوار دائماً وسيلة الأنبياء في إيصال الدعوة، فجلّ الأنبياء ما حمل سيفاً، ولكن حمل الكلمة، وحاور قومه: "قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا"، وسيظل الحوار أسلوب العقلاء في نقل الأفكار، وحل المعضلات ونزع فتيل المشكلات. وإنّه في النهاية إمّا الحوار وإمّا خراب الديار، إمّا حوار الأفكار وإمّا الدمار، هذا أو الطوفان كما قال خالد محمد خالد.
وفكرة الحوار بمنتهى البساطة أنّ الله تعالى خلق الإنسان مختاراً وجعله مكرماً، ومن كرامته أبى عليه الإخضاع، إذ القاعدة القرآنية العظيمة، بعد أعظم آية في القرآن آية الكرسي، تقول تلك الآية القاعدة العظيمة: "لا إكراه في الدين"، ويقول الفاروق العظيم من وحي القرآن الكريم: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".
أقول: إنّ الله أبى على الإنسان الإخضاع وأراد له الإقناع، من هنا، ببساطة، مرة أخرى، كانت فكرة الحوار.
فالحوار من الجذر "حَوَرَ"، قال تعالى: "إنّه ظن أن لن يحور" أيّ يرجع. فالحوار: رجع الكلام، أو مراجعة الكلام بين اثنين، وقد يكون الاثنان: فردين، أو جماعتين، أو بلدين أو حضارتين، وقد يكون الحوار فردياً داخلياً: وهذا هو "المونولوج"، وما من إنسان إلاّ وهو يحاور ذاته، وقد يكون الحوار خارجياً، بين فريق وفريق وهذا هو: "الديالوج". وقد يكون الحوار إذا اشتدّ واحتدم: جدالاً. وفي أول سورة المجادلة جمع الله تعالى المصطلحين في آية واحدة: "قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركما".
ولأن الجدال قد يتفاقم ويكون مثاراً للتعصّب، ومظنّة التخندق، من هنا كانت الوصية الإلهية: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"، وقال: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن"، ولأن العنف أوله الكلام فإنّ الله أمرنا أن نقول للناس حسناً فقال: "وقولوا للناس حسناً".
4- إبراهيم الخليل محاوراً.
ومن أعظم المحاورين في التاريخ خليل الله إبراهيم عليه الصلوات والتسليم. ومن أعظم أوجه محاوراته طرح الأسئلة أكثر ممّا يطرح تقريرات، وأحكاماً قطعية. واستمع إلى عيّنة من حواره: "وإذ قال إبراهيم لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً" مريم. "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة؟ إنّي أراك وقومك في ضلال مبين" الأنعام. "أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون"؟ "ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون" "هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون"؟ إلى أن قال: "رب أرني كيف تحيي الموت" إلى أن جادل الملائكة في قوم لوط: "يجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب".
ومن عظمة حوار إبراهيم أنّه كان يجدد فيه ويبتكر ويطوّر ويحدّث ولا يتّبع نمطاً واحداً. وتأمّل محاوراته في سورة الأنعام في قضية الكوكب والقمر والشمس.
ولقد كانت تلك من إبراهيم مناظرة ليهدي قومه، لا نظراً منه ليهتدي هو. ولقد عقّب السياق الكريم على هذه المحاورة فقال بثناء عظيم على إبراهيم: "وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم".
ومن أعظم محاوراته مشهد تكسير الأصنام، الذي لم يكن من باب تغيير المنكر كما قد يظن، ولكنه من باب تحريك العقل ليتفكر، ولو كان من باب تغيير المنكر لما أبقى الصنم الأكبر فتدبّر وتفكّر!
وكل نبي من أنبياء الله زاول مع قومه حواراً راقياً عظيماً منطقياً مستخدماً الحجة العقلية، والنظرة الكونية، والمخاطبة الفطرية، والأمثلة الواقعية.
وتأمّل قصة نوح أو هود أو صالح أو شعيب، أو قصة يوسف مع السجينين، كل ذلك صور راقية من الحوار.
فإذا تجاوزنا الأنبياء والمرسلين إلى الجيل الفريد، فإنّ من أعظم المحاورين في تاريخنا: ترجمان القرآن: ابن عباس. الذي تقول الروايات التاريخية أنّه جادل جموعاً من الخوارج فرجع إلى الحق منهم ستة آلاف.
5- حاجتنا إلى الحوار اليوم.
وما أحوجنا اليوم إلى من يحاور، وما أحوجنا إلى التحاور وفتح الأبواب والنوافذ والصدور للحوار باحترام لا احتراب. كيف نُطَامِنُ من غلواء الغالين، وتطرّف المتطرفين، وتزمّت المتزمتين، وتشنّج المتشنجين، وانغلاق المنغلقين، وتنطّع المتنطعين، وتعصّب المتعصبين، وتشدد المتشددين؟
وإن لم يكن بالحوار وتبادل الأفكار أفيكون بالتكفير وإطلاق النار؟ أفيرد بالعنف على العنف، وبالتكفير على التكفير، وبالتفسيق على التفسيق فتتصاعد الأمور، وتتوتر أكثر فأكثر، وتتعمق القطيعة والشقاق والتنازع، فتعود الأمة إلى ما كانت عليه زمان الفرق المحتربة، والجماعات المتناحرة، والحروب الأهلية الداخلية، ويتحقق فينا وعيد الله عز وجل: "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض".
يقول هيكل: "أسوأ الحروب الحرب الأهلية، فيها يتحوّل الناس إلى وحوش والمجتمع إلى غابة".
وحتى لا تطول المقالة أتوقف عند هذا الحد على أن أتمّ في حلقة تالية، وأقول في ختام هذه الكلمة: هذا البلد العربي القصي الحارس على البعد الإفريقي، ينبغي أن يلقي من اهتمام إخوانه غير ما هو جار من إهمال ونسيان. فلتتدفق الشركات والاستثمارات والتبادل التعليمي والثقافي.
هذا البلد وشعبه الطيب المضياف، بلد المليون شاعر كما يسمَّون، هذا البلد الذي كان منه في أردننا هنا قاضي القضاة: محمد أمين الشنقيطي ووزير التربية والتعليم ووزير الأوقاف، ثم ختم عمره سفيراً للأردن في السعودية، وقد زرناه في المدينة المنورة، وقضينا معه ليلة وسهرة من ليالي العمر، وقضى بعدها بوقت ليس بالطويل. هذا البلد الذي خرج صاحب المدرسة التفسيرية "أضواء البيان" الشيخ محمد الأمين الشنقيطي أيضاً. رحمة الله عليهم جميعاً.
وأرجو أن تقع الكلمات في أذن واعية وتجد إرادة عازمة فتتحول الصرخة لا إلى صرخة في واد، لكن إلى واقع يفتح صفحة بين بلاد وبلاد.


