النفق مظلم. لا ضوء في آخر النفق. النفق طويل ممتد على مساحة قاربت العشرين سنة. اللقاءات الماراثونية استنفدت أغراضها، ولم يبق منها إلا خيبة كبيرة على المستوى الفلسطيني، واستيطان أكبر وأكثر على المستوى الإسرائيلي. لا اتفاق تسوية في الإطار المنظور، ولا في الأفق غير المنظور، وإنما جعجعة حديث ولا طحين.
ومع ما تقدم فإن الأخ (أبو مرزوق) يقول من باب الجدل ومجاراة الخصم: "إن أي اتفاق بين السلطة والاحتلال لن يكون دائمًا"؟! وأحسبه صادقًا في الفكرة المجردة، غير أن الاتفاق نفسه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، ولا أحسب أن ثمة فرصة كافية في عمر رئيس السلطة تسمح باحتفالية توقيع اتفاق آخر بعد اتفاق أوسلو الذي حطم فكرة التحرير، ومزق الرؤية الفلسطينية شرّ ممزق كما يقولون.
يبدو أن (أبا مرزوق) يود أمرًا آخر من وراء مقولته آنفة الذكر، وأحسبه يريد أن يتحدث في مفهوم (الهدنة) كمشروع حيث قال للصحيفة الأمريكية: "إنه إذا وصلت حركة حماس إلى السلطة فإن أي معاهدة مع (إسرائيل) ستكون بمثابة هدنة مؤقتة، وليست اتفاقًا دائمًا. هكذا سيكون الأمر حتى ولو جرى استفتاء على الاتفاقية".
الهدنة المؤقتة بشروطها هي الإضاءة السياسية التي أشعلها أبو مرزوق فيما أحسب في هذه المقابلة الصحفية، وفي هذه الإضاءة مسألة تقعيد موضوعي لواقع علاقة منطقية بين محتل غاصب وشعب مضطهد يقاسي معاناة طرده من وطنه وأرضه ومسكنه، التقعيد يقول: لا يوجد اتفاق تسوية مؤبد قائم على الظلم، ولا يوجد اعتراف من الضحية بما يمتلكه أو يحوزه الجلاد غصبًا، والممكن الوحيد هو وقف إطلاق نار، أو هدنة مؤقتة بشروط محددة.
وفي هذا يقول أبو مرزوق: "حماس لن تعترف بـ(إسرائيل)، وستكون العلاقة كما بين لبنان و(إسرائيل)، وهذا يعني وقفًا لإطلاق النار وليس معاهدة سلام مع (إسرائيل) مثل الأردن أو مصر".
وما يقوله أبو مرزوق عن حماس، هو ما يمكن قوله عن الشعب الفلسطيني كله في الداخل وفي الخارج، فالذين اعترفوا بـ(إسرائيل) على أرض فلسطين لا يمثلون إلا أنفسهم كما يقول الشعب، وكما تقول (إسرائيل)، ومن ثم كان النفق الممتد زمنيًا ومكانيًا مظلمًا من اليوم الأول الذي وقعت فيه رئاسة لجنة تنفيذية م ت ف اتفاقية أوسلو.
وأحسب أن من قرأ رسالة محمود عباس الأخيرة إلى نتنياهو قد وصل إلى استنتاج نفسه الذي أدركه الشعب بفطرته بعد الإعلان عن أوسلو مباشرة.
لا يوجد حل دولتين، ولا حل دولة واحدة، ولا حل مؤقت، ولا حل تطوير الأمر الواقع، وفي هذه العتمة كانت إضاءة أبو مرزوق عن الهدنة ووقف إطلاق النار من باب الجدل السياسي في ظرف دولي يطلب من حماس وقف المقاومة.


