الخميس 01 يناير 2026 الساعة 10:03 ص

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

دور مبارك في تدمير العراق «6»

حجم الخط

- مدخل.

قراءة التاريخ أحد أهم مرتكزات فهم الواقع، وأحد أهم مصادر المعرفة. والتاريخ ذاكرة الأمة، فمن لم يقرأ التاريخ كمن يعيش بلا ذاكرة. ومراراً قلت: إنّ أمة بلا تاريخ هي شجرة بلا جذور، أنّى بقاؤها!؟ وفي الطب، فإنّ السؤال الأول هو عن تاريخ المرض، والسياسة كالطب، وثلث القرآن تاريخ ليبيّن لك القرآن بالدليل العملي على أهمية التاريخ.

ووثائق التاريخ هي أحد أهم مصادر استقاء المعلومة التاريخية، والوثائق لا يفرج عنها إلاّ بعد ثلاثين سنة، ووثائقنا قد لا يفرج عنها أبداً. وهيكل أحد أهم قرّاء الوثائق "والحفّارين" عن المعلومة في ركام الوثائق.

والله أمرنا أن نسير في الأرض فننظر كيف بدأ الخلق، أيّ تشكّلت الظاهرات، فصورة العالم العربي من الهوان والتفسُّخ كيف تخلّقت؟! اقرأ التاريخ لتفهم الواقع!

 

- دور أو وظيفة.

هذا هو عنوان الفصل العاشر من كتاب الأستاذ هيكل: مبارك وزمانه، وهذه هي الحلقة السادسة. يتحدث في مطلع الفصل عن السنوات العشر ما بين منتصف السبعينيات ومنتصف الثمانينيات، وأنّها كانت كارثية على العالم العربي.

ثم تحدّث عن تفكك التحالف العربي الذي قاد حرب أكتوبر، وعندما توقفت المعارك كان العالم العربي في مأزق، لأن مصر حاولت أن تستكشف طريق السلام، ثم توالت العثرات: الحرب الأهلية في لبنان، الحروب في القرن الإفريقي مما أدّى إلى تآكل دولة الصومال، والحرب بين الجنوب والشمال في السودان، والحرب العراقية الإيرانية، انتهاءً بغزو الكويت، وبهذا فإنّ بنيان المشروع العربي الذي ظلّ واقفاً راح يتصدّع، فعندما خرجت مصر بصلح منفرد مع "إسرائيل"، سنحت الفرص لتجمعات إقليمية، ومنها مشروع تجمع دول الخليج تبتعد بها عن القلب تاركة له قضاياه الكبرى، آخذة معها ثرواتها الطائلة، وكذلك نشأت منظمة التعاون الخليجي، وفي مقابلها اقترح العراق ما سمي "مجلس التعاون العربي" وفيه العراق ومصر والأردن واليمن، وكان الغزو العراقي فانفجر النظام العربي. (دقق النظر تجد أنّ خيوطاً كانت تحرّك دولاً للوصول إلى النتائج الكارثية التي أشار إليها الأستاذ، وخروج مصر مرسوم، وتوابع الزلزال بعد هذا الخروج مرسومة!)

 

ثم دخلت على الخط معركة أفغانستان، وجرّت هذه المعركة مغانم دفعت السياسة المصرية لتغيير تحالفاتها. وغزو العراق للكويت أغرى السياسة المصرية بدور اتّسع نطاقه، فإذا مقاومة غزو الكويت تفتح باب الذرائع لتدمير العراق. وكل هذا أزاح القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي إلى الهوامش، (أظن أنّ الصورة اتّضحت، ومن هي الأصابع التي تحرّك الدمى العربية!)

يقول هيكل: في هذا الوقت كنت أعدّ كتاباً عن حرب الخليج ونشرت الصحف أنّي أعدّ كتاباً اخترت له عنوان "أوهام القوة والنصر". وذات صباح اتصل بي مبارك بعد انقطاع، وسألني: أنّه قرأ أنّي سوف أذهب إلى عمان لمقابلة الملك حسين لأنّي أكتب كتاباً عن حرب الخليج. قلت: صحيح. قال: ولماذا الملك حسين؟ قلت: سوف أقابل كثيرين غيره، والرجل ظل على اتصال بكل أطراف الأزمة: صدام وبوش (الأب) وتاتشر. قال: أنت على خطأ، أنا الذي ظلّ على اتصال بالجميع، والملك لن يعطيك الحقيقة. قلت: من حقه أن يقول ما يشاء. وأبلغني أنّه سيطلعني على الحقائق والملفات دون تحفُّظ، أطّلع على ما أشاء.

وعلّق الرئيس أنّه يعرف اهتمامي بالورق! (هكذا يفهم مبارك الوثائق!)، والتقيت مع الملك على يومين من الحادية عشرة صباحاً إلى الثامنة مساء وتغدّينا في قصر الندوة، ورئيس ديوانه أبو عودة حاضر.

 

وبعد عودتي اتصل مبارك وقال: هل روى لك الملك ما يبرز موقفه؟ (هذه عقلية مبارك!) وقال أنّه سوف يفاجئني بما لم أتوقّع، فقد تأكّد له غرامي بالوثائق، وقرر أن يطلعني على أوراق الرئاسة السرية يسمح لي بقراءة ما أشاء شرط ألاّ أصور. أليس مصطفى الفقي (سكرتير الرئيس للمعلومات) صديقك؟ قلت: صحيح. قال: سوف أبعث مصطفى ومعه الملفات. وشكرته على اهتمامه.

وجاء مصطفى ومعه حقيبة جلدية متخمة بالملفات، وقرأت وقررت بعد عدة ساعات اختصار الطريق، وقلت: أفضّل ألاّ أواصل. فأراد استيضاح موقفي. فقلت: إنّ ما قرأت أشعرني أنّه كتب بأثر رجعي، وهذا يفقد "الوثائق" أهميتها، فهي، أيّ الأوراق، محررة بتوجيه لكي ترسم صورة لا لتكون موافقة لما جرى.

 

وسأل الفقي: ما حملني على الشك؟ قلت: خبرتي بالوثائق. قال: ما أقول للرئيس؟ قلت: اترك الأمر لحصافته (كلّه صحافة أقصد حصافة)!

 

وأعاد الفقي أوراقه وقال لي: "أستاذ هيكل، لا تعتمد فيما تكتب إلاّ على ما تثق فيه ولا تسألني أكثر من ذلك!"

وفي اليوم التالي اتصل الفقي يسألني نيابة عن الرئيس: هل الكتاب سوف يعكس وجهة نظرنا أو وجهة نظر الملك حسين؟ (كيف عرف باختلاف وجهات النظر؟) قلت: لا وجهة نظركم ولا وجهة نظر الملك حسين، وإنّما يعكس وجهة وجهد كاتب في تقصّي موضوعه. وصدر الكتاب وترجم إلى العربية، وقامت القيامة. (كتاب التدخل السريع في كل مكان وكل زمان وكل الجبهات وكل ميدان وكل البلدان وعند كل العربان!) وكانت المواقع الحساسة في القصة والتي دار عليها الجزء الأكبر من الخلاف هي: متى نزلت القوات الأمريكية في السعودية؟! هل كان ذلك قبل مؤتمر القمة وباتفاق مع مبارك وغيره قبل القمة؟ أو أنّ النزول الأمريكي كان بعد القمة نتيجة لها؟ (لاحظ أنّ القمم العربية لم تنتج شيئاً إلاّ تدمير العراق هناك كانت عتيدة حاضرة جاهزة مستعدة سريعة غضوبة تملؤها الحمية حمية الجاهلية منتفخة مزمجرة مكفهرة، وفي أيام كان الضرب على العراق. والمهم أنّ السعودية كانت تردد باستمرار: نحن لا نتحرك إلاّ بعد فتوى شرعية! فالحمد لله أن جعل السياسة منطلقة من عقال الدين! وافهمها)

 

ويواصل هيكل أسئلته الخطيرة: هل كان الهدف تحرير الكويت؟ أو أنّ تدمير العراق كان مطلوباً لضرورة، أو مطلوباً بسبق الإصرار؟ وهل كان نزول القوات الأمريكية أرض السعودية إجراء طوارئ أو خريطة إستراتيجية مستجدة؟

 

(فهمت لماذا جرت "شيطنة" صدام والمبالغة في القصف عليه، وبعد أن أعدم بكوا عليه ورثوه بالمراثي وقاموا ينوحون على أهل السنة والهلال الشيعي والهلاك السني على يد الهلال الشيعي، والمراثي القذرة إياها وأيديهم تقطر دماً من العراق وهم يبكون على العراق. ألا شاهت الوجوه وساءت..)

 

يقول: وبعد فترة التقيت مع مصطفى الفقي فقال: "لا تجعل شيئاً مما يقال (عنك وعن كتابك) يضايقك، الحق كان معك، والواقع كما أعرفه من موقعي أفظع بكثير من أيّ شيء قلته في كتابك!" (بالمناسبة، نطلب من الفقي أن يكتب عن الفترة القذرة لمبارك ويدلي بشهادته في المحكمة يا مجلس يا عسكري يا فنجري!)

 

يقول هيكل: كانت تلك لحظة تستحق الدراسة في تاريخ مصر، فقد لاح وكأنّ مصر قد جرى تنويمها أو تخديرها، ليت ماكيافيلي شهدها ليكتب عنها.

 

ثم تكلّم عمّا جرى لمصر من خصخصة القطاع العام وعبارته هو: الإغارة على القطاع العام، وفي هذه الأجواء وقعت موجة هجرة الشباب (لاحظ تكامل المؤامرة، وهل فهم الذين يبحثون عن الفساد بالإبرة ومصباح ديوجين. الفساد أوضح وأفضح من أن يحتاج إلى براهين، إنّه يحجب عين الشمس، ثم يبحثون عنه في زوايا وزواريب ودهاليز ثم لا نعود بشيء!) ووقع اغتيال السادات وراح الاقتصاد المصري يتدحرج إلى حافة الخطر. (في سياق الكلام لفت نظري لفتة بارعة لهيكل عن استغلال الدين مررها في كلمة لكنها خطيرة. والكبار يذكرون كيف أنّ السادات رفع شعار العلم والإيمان، وهو لا علم ولا دين ولا إيمان عنده! وتأمّل عبارته (أيّ هيكل) المختزلة المشحونة قال: "أراد البعض (يقصد السادات) أن يعوّض نقص الموارد بزيادة الإيمان!")

 

ثم قال هيكل: لست أدري إن كان مبارك قرأ ماكيافيلي (يا عم هيكل هل تقرأ الأبقار؟) لكنه في حرب الخليج طبّق آراءه خير تطبيق، لقد تكفّلت حرب الخليج بردّ الروح إلى الاقتصاد المصري. ثم قال: في أفغانستان جهاد من أجل الإسلام، وفي إيران حرب ضد ثورة إسلامية. (تحتاج إلى تعليق طويل..) الحرب في أفغانستان ضد سلطة إسلامية سنّية هي سلطة طالبان، لكن الحرب في إيران حرب السُنّة ضد الشيعة. (لن نشرح للأستاذ هيكل فهو يشرح لمليون من أمثالي. هي حرب أمريكا في الجبهتين فلا لخمة ولا توهان ولا زاغ البصر!)

 

والحقيقة أنّ هذه المتناقضات في المنطقة وفّرت لمصر فيضاناً من المساعدات، وبناء على أرقام صندوق النقد (الرواية الصحيحة: "صندوق النكد") فإنّ مصر جاءتها في ظروف حرب الخليج مساعدات وهبات بلغت (100) مليار دولار، فصَّلها على النحو التالي: 30 مليار إعفاء ديون مستحقة. (25) مليار من الكويت (جزاهم الله خيراً) 10 مليار من السعودية (جزاها الله خيراً) 10 مليار من الإمارات (جزاهم الله خيراً)، والباقي أيّ 5 مليار من مصادر متفرقة (لا جزاهم الله خيراً!) بالإضافة إلى كثير من خدمات المخابرات والأمن والسلاح والتوريدات..الخ. وكله أعطى مصر صفحة اقتصادية جديدة (أكثر من ثلاثة أرباعه نهْب وأرصدة للخارج، فدمر العالم العربي ولم نستفد شيئاً. ومن أعطى المليارات يعلم أنّها كانت تذهب للخارج وتهرّب إلى البنوك بأسماء أشخاص. وفي النهاية لا هي لهم ولا لنا. وبرضه جزاهم الله..)

 

ثم ينتقل هيكل العبقري الكبير إلى اللحظة الراهنة، يقول: سألت في باريس أحد كبار الاقتصاديين المشهود لهم في العالم عن الطريق الأمثل لحل المشكلة الاقتصادية المستعصية في مصر، فقال: هناك طريقان، أحدهما طويل وصعب، والآخر سريع وسهل. والطريق الطويل يقتضي إجراءات حازمة حاسمة لأن التفريط في الثروة عندكم كان مذهلاً في السنوات الخمس عشرة الأخيرة (كلام نقلنا مثله عن آشتون قبل حلقات)

 

وماذا عن الطريق السهل السريع، سأل هيكل، فقال العالم الكبير: حرب إقليمية في الشرق الأوسط، حرب أخرى تنقذ مصر على نحو ما سبق في حرب الخليج (أين الذين صنّفونا في حرب الخليج؟ هل يقرأون أو يسمعون أو يعقلون؟)

 

اللحظة كانت نقطة تحول كبير في توجهات مبارك، فقد وجد أطرافاً تطلب تقوية دوره في المنطقة وتوظيفه بحيث يأخذ معه وضع مصر (بل أخذ الأمة كلها، قاتله الله!) ومن هنا وردت فكرة التوريث (هي خارجية إذاً ثم تنصّلوا منها!) يقول: لأن الابن استمرار للأب. ولم تنجح الخطة لأن جماعات المصالح التي أحاطت بالأب والابن تحوّلت إلى سرب جراد، فالوعاء الاقتصادي الذي امتلأ بالسيولة بعد حرب الخليج، جرى تفريغه بالنهب!

وإلى اللقاء في حلقة أخرى عن الأمن.