• مدخل:
قد يقال: لماذا لا تعرف الحقيقة إلاّ بعد أن يهوي الصنم؟ لماذا إذا طاحت "البقرة" كثرت السكاكين؟ مثل هذه الأسئلة لا تغيّر من وقائع الأحوال، فالأستاذ الكبير هيكل في النهاية بشر، يمكنه أشياء ولا يمكنه أشياء. أيمكن أن ينشر هذا الكلام ومبارك في سدة أو دست الحكم؟ بالطبع لا، إذاً ما الفائدة من نشره؟ أعتقد أنّ الفائدة كبيرة، والوثائق التي تتاح لهيكل وشبكة علاقاته لا يتاح مثلها لأحد من الكتاب، فنستفيد من مستودع معلوماته. ثم ثانياً إنّ مبارك عينة، وفهمها يعني أن تفهم الكثير لا أن تفهم مبارك الذي راح وطاح، وإذا كان بلد عظيم كمصر نصّبوا عليه بقرة! فأيّ استخفاف بالقوم وبالعرب عموماً كان يسود العالم عنّا؟ أيّ استهتار بنا وأيّ احتقار لإنسانيتنا؟ ومما تناقلته وسائل المعرفة هذه الأيام أنّه وصل من المساعدات بعد فيضانات 9 مليار وضعها مبارك في حسابه وأنفق على المنكوبين 70مليوناً. المهم أنّ العاقبة كانت الإطاحة بهذا الطاغوت، والآن مصر في مرحلة النقاهة ومعالجة ذيول هذا العهد البائد البائس.
• هواجس جديدة وقديمة.
هذا هو عنوان الفصل السابع من كتاب هيكل المعنون "هيكل وزمانه" وهذه هي الحلقة الثالثة عنه، أيّ كتاب هيكل.
يبتدئ هيكل هذا الفصل بقوله: طوال الفترة الأولى من رئاسة مبارك تفاوتت المواقف بشأنه لدى جماهير الشعب المصري وتباينت الآراء، فريق ما زال واقفاً عند بقايا "حكاية البقرة التي تضحك"، ولا يكف عن إطلاق النكات حوله، وفريق ثان يطلب من الرئيس الجديد فوق ما تحتمله الظروف، وفريق ثالث يرى أنّ الرجل يستحق فرصة، وفريق أخذته الحيرة وقال اتركوا الرجل وانتظروا. وللأمانة فإنّ أغلبية الناس كانت على استعداد لأن تقبل بالرجل، وتعطيه الفرصة المفتوحة. ويقول هيكل عن نفسه أنّه ضمن الفريق الذي يرى أنّ الرجل يستحق فرصة (بالفاء لا بالقاف)، يقول: ومع ذلك فإنّ الرجل بدا محيراً لي (بالحا).
وذكر قصة اغتيال مبارك للهادي المهدي في السودان بقنبلة في سلة مانجو، وما سمعه في باريس من نشاط مبارك في مجموعة "السافاري" (ذكرناها في حلقة سابقة!)، وما سمعه هيكل من مبارك عن العلاقة بأمريكا و"إسرائيل"، (باختصار إيمانه بهما كإيماننا بالله واليوم الآخر!)
ويخلص هيكل إلى القول بعد استطراد وكلام عن منصب نائب رئيس وأنّه لا يملك الصلاحيات، إلى أن قال: كان ظنّي أنّ صفحة حسابه السياسي تبدأ منذ انتخابه في تشرين الأول 81. وبرغم كل ذلك فقد كان مبارك محيراً، وذكر هيكل عدة حوادث مما يسبب الحيرة ألتقط منها للاختصار:
. رأيته بنفسي، (يقول هيكل)، على شاشات التلفزيون المصري يزور أحد المصانع ويتبسّط مع أحد الواقفين أمام الآلات، يتحدث إليه ويسأله عن أجره، والرجل يراوغ في الرد، ويزيد إلحاح الرئيس، والكاميرات مسلّطة عليه وعلى الرجل الواقف أمام الميكروفونات حتى اضطر الرجل الذي بلغ به الإحراج أشدّه أن يقول للرئيس الجديد: "يا فندم، أنا عنصر أمن، ولست عاملاً هنا"، أيّ أنّه ضابط بوليس دسّ وسط العمال أمام إحدى الآلات تشديداً للأمن، وهزّ مبارك رأسه (مش وسطه)، وكان تعليقه: "آه!" (..)
. لقيت الملك حسين، (هيكل برضه يقول)، في القاهرة، وكان قد جاء بعد هدوء عاصفة اغتيال السادات. (على علاّت السادات فيه ملعقة من الذكاء غير مبارك، ولذلك أظن أنّ الاغتيال ربما يكون اختراقاً من جهات خارجية للإتيان بمن هو أسوأ من السادات، كعرفات وعباس!) وأشار الملك إلى سقف القصر الذي ينزل فيه، ويقترح: دعنا نخرج إلى الحديقة نتمشّى، وخرجنا، وكان الملك يريد أن يفضي إليّ عن مبارك، وخشيته أنّه لا يعرف ما يكفي من علاقات مصر العربية ولا تاريخها السابق أو الجديد، ولم يقرأ الملفات، وإذا كان قرأها فإنّه لم يستوعبها، وأضاف: إنّ الرجل لم يتغيّر منذ رآه لأول مرة وهو نائب للرئيس، يحمل إليه رسالة من السادات. وقلّده الملك وهو يفتح حقيبته ويستخرج ملفاً منها، وسأله الملك عن بعض النقط، ولم يستطع مبارك شرح المقصود، وبدا عليه الارتباك، ثم قال: لا أعرف، ولكن هذا هو المكتوب أمامي، وعندما أعود إلى القاهرة سوف أسأل الرئيس السادات، وأرجو أن يكتب إليكم! وعقّب الملك أنّه لم يستطع أن يفهم، هل محدّثه نائب لرئيس الجمهورية أو حامل حقيبة يلتزم بأوراق كتبها بخطه، ومع ذلك لا يستطيع شرحها.
. جاءني السفير جمال منصور، (كان وكيلاً لوزارة الخارجية، وهو خال عصام شرف وسمعني في عشاء أقول: أعطوه فرصة، وكان ردّه: إنّه لا فائدة. وقد التقى مبارك لأول مرة وقد كلّف بنقل رسالة من السادات إلى تيتو رئيس يوغسلافيا، وكان جمال مع مبارك في المقابلة، وقضوا معه، أيّ تيتو، ساعة وخرجا بعدها، وكان أول ما قاله له إذا كان يعرف من أين يأتي تيتو بأحذيته، فهو طول المقابلة لم يرفع نظره عن حذاء تيتو ويراه "بديعاً"، (كلّه بالنص)، وهو يريد أن يعرف هل الرئيس تيتو يشتري أحذيته جاهزة أم تفصيل؟ وطلب من السفير أن يسأل من يعرف من حاشية تيتو عن الأحذية، مضيفاً: إنّ الأحذية "الحلوة" هي هوايته المفضلة! (لعلّكم تذكرون إيميلدا ماركوس زوجة رئيس الفلبين قبل عشرات السنين، وقد كان عندها أكثر من ألف زوج أحذية، وأصلها فقيرة معدمة حافية، فصار عندها عقدة الكنادر مثل الرئيس مبارك. وسامحونا على الشرح المعقّد!) (ولو كان فرويد حياً لأضاف هذه العقدة النفسية إلى مجموعة عقده..خسارة!) وكان تعليق جمال منصور: لا فائدة. وردّ هيكل: أعطوه فرصة!
. أضاف الأستاذ فتحي رضوان إلى معارفي، (هيكل يقول)، قصة أخرى في السياق نفسه، وهي مثل سابقتها تتصل بالأحذية، فقد اتصلوا به من رئاسة الجمهورية يبلغوه أنّ الرئيس مبارك يريد أن يراه ويتعرّف عليه، وأنّه حدد له موعداً في استراحة "الدخيلة"، وأنّ سيارة من الرئاسة سوف تجيء إلى بيته وتنقله إلى مطار "الماظة" في السابعة صباحاً ليكون في الدخيلة لموعده مع مبارك في العاشرة، وتحمّس فتحي للقاء ولديه الكثير ليقوله، وقد كتب بالفعل نقطاً استغرقت خمس ورقات. وجاءت السيارة، وطارت الطائرة ووصل فتحي رضوان إلى مطار الدخيلة، وهناك قيل له إنّ موعده مع الرئيس تأخّر ساعتين لأن ضيفاً إفريقياً سوف يجيء إليه، وأنّ غرفة خصصت له في الاستراحة حتى يحين موعده، وقضى فتحي في الغرفة 5 ساعات، وبعد الظهر جاء إليه أحد الأمناء يخبره أنّ الرئيس سوف يعود الآن من المطار إلى القاهرة مباشرة، وأنّه في الطائرة سوف يكون مع الأستاذ فتحي ولمدة ساعة على الأقل، وصعد فتحي إلى الطائرة الرئاسية، وجلس ولا أحد بجواره، لأن الرئيس كان في الجزء الأمامي من الطائرة مع الضيف، وبعد ربع ساعة من الطيران، قام مبارك عائداً إلى المقاعد الخلفية، وجلس على المقعد المجاور لفتحي معتذراً عمّا وقع من خطأ، لأنه لم يتذكّر موعده مع الرئيس الإفريقي، ومكتبه لم يعرف أن ينسّق بين موعدين (تلخبطوا!)، فقال لفتحي أنّه، أيّ مبارك، ما زال نفس الرجل لم يغيّره منصب الرئاسة، "تصدّق بالله يا فتحي أنا لا أزال وأنا رئيس الجمهورية أمسح حذائي صباح كل يوم بنفسي، أجلس على الأرض، وأمسح بالورنيش، ثم الفرشة، وبعدها قطيفة ألمّعه بها". وراح فتحي يشرح أنّ رئيس الدولة لا يصح أن يضيع وقته في مسح حذائه، فقال مبارك: "هذه عادتي مذ كنت تلميذ ابتدائي"، (ليته اشتغل مساح أحذية كان خفف عن مصر وطأة كبيرة). وقبل أن يقول فتحي شيئاً جاء من يقول للرئيس أنّ الطائرة على وشك الهبوط وتذكّر مبارك ضيفه الإفريقي، فقام وقال لفتحي: سوف يطلب توصيله إلى بيت الرئيس، ولكنها أيّ السيارة أوصلته إلى بيته هو. فروى قصته لهيكل وهو مستفز وهو يقول: هل يعقل أن أضيع يوماً كاملاً في السفر ذهاباً وإياباً ثم يكون لقائي معه أيّ مبارك خمس دقائق لم أستفد منها إلاّ أنني علمت أنّه "يمسح جزمته بنفسه!"
. جاءني الكاتب الكبير والساخر الأكبر محمود السعدني، وقال: أريد خمس دقائق، وقال: مصيبة..كنت عند الرئيس مبارك الآن. قلت: وأين المصيبة؟ قال: جلست مع الرئيس ساعة كلها ضحك ونكت، وعندما حان موعد انصرافي سألته مشيراً إلى المقعد: يا ريس، ما هو شعورك وأنت تجلس على الكرسي الذي جلس عليه رمسيس الثاني وصلاح الدين ومحمد علي وجمال عبد الناصر؟ فقال مبارك: هل أعجبك الكرسي؟ خذه معك. وخبط السعدني كفاً بكف، وقال: لم أفق من الصدمة، لم يفهم المعنى الذي قصدت، وفهم من الكرسي أنّه كرسي. قال هيكل: الحق عليك لماذا تكلّمه بالرمز؟ وكان تعليق السعدني لفظاً واحداً لا يجوز نشره (!) (هل تتوقع غير كلمة حمار؟)
أمّا كيف كان يتم تزوير الانتخابات، وما النسب التي كان يحددها مبارك للمعارضة، وعلى أيّ الأسس، فهذا حديث مهم لم أرد أن أخلطه بحديث مبارك والأحذية.
فأردت أن أفرد له حلقة خاصة، لأن به تعرف كيف تدار الانتخابات بالرعاية الأمريكية في طول العالم العربي وعرضه، ويعطونها شهادة ال(ISO) في الشفافية والنزاهة.
إنّ أمريكا لا تريد ديمقراطية في العالم العربي، وهل تريد أن يحكم الشعب؟ ولكن تريد أنظمة فردية تمسك بالشعوب وتضبط إيقاعها، وتقتل طموحها، وتنشر ثقافة الانحلال والفساد..والخوف. إنّ هذا من أمريكا لشيء يراد. فإلى تفصيل هذا الموضوع المهم في الحلقة القادمة.
