علي ناصية قبور مرقمة، تقف أم الشهيد ضياء العرعير، لا تعرف إن كان فلذة كبدها بين هذه القبور أم لا، بعدما حلّلت بشاعة حرب الإبادة، جثامين الآلاف، وحولتها لرفات مجهولة، فيما يُسمى "مقبرة الأرقام".
أم ضياء فتشت في مئات الجثامين التي انتُشلت، وما زالت، ولكنها لا تستطيع الجزم إن كانت قد صادفت جثمان ابنها أو جزء منه.
"فتشنا في كل الجثامين التي انتُشلت وسُلمت ولم نجد ضياء"، تقول
وتضيف "لا نعلم إن كان ضياء قد مرّ علينا أو لا، فمعظم الجثامين عظام أو مشوهة، وعيوني ذابت من النظر وقلبي انفطر من القهر".
الوقت اتسع أو لم يتسع للتمعن في الجثامين، فالأم المكلومة ما تزال تُقنع نفسها بأنه ما زال تحت أنقاضٍ أو لدى الجيش.
لكن العرعير تخشى "أن يكون مرّ عليها ولم تتعرف عليه، بين رفاتِ شهداء أو جثامين تحللت ودُفنت برقم مجهول في مقابر الأرقام".
و"مقابر الأرقام"، هو اسم رمزي لمجموعة كبيرة من المقابر السرية التي أنشأتها "إسرائيل" من أجل دفن جثامين الشهداء والأسرى الفلسطينيين والعرب بها.
وتقيم "إسرائيل" مقابر الأرقام منذ زمن بعيد، وحالياً يحتجز بها أعداد كبيرة من جثامين الضحايا الفلسطينيين.
وبدلاً من أسمائهم يحمل كل شهيد رقماً مثبتاً فوق قبره على لوحة معدنية، ويبقي الاحتلال كل ما يتعلق بهذه المقابر مجهولاً، ويرفض إعطاء أي معلومات عن أماكنها، ولا يُعرف عددها الحقيقي، في انتهاك واضح لحقوق الإنسانوالمواثيق الدولية.
وتتبع "إسرائيل" سياسة احتجاز جثامين الشهداء في مقابر الأرقام وفي ثلاجاته، لاستخدامها ورقة ضغط ومساومة في أي صفقة تبادل.
سابقة وامتداد لتلك
ولكن وجود مقابر أرقام في غزة بإشراف فلسطيني، هو سابقة، تعكس وحشية الاحتلال في ارتكاب المجازر والتمثيل بجثامين الشهداء، وهو استكمال وامتداد لمقابر الأرقام التي يرفض تسليم الجثامين المتواجدة فيها.
ويقول مدير دائرة الأدلة الجنائية بغزة محمود عاشور لوكالة "صفا"، إن "مقابر الأرقام تُعد خوجرًا في خاصرة الشعب الفلسطيني وذوي شهداء غزة، وهو ملف كارثي بكل المقاييس.
ويضيف "هذه المقابر أقيمت في دير البلح وسط قطاع غزة، بالتوافق مع لجنة إدارة الجثامين وبإشراف وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، حول كيفية الدفن".
ويشير إلى أن المقابر تضم الجثامين التي استلمتها وزارة الصحة من الاحتلال عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وجثامين شهداء يتم انتشالهم من مقابر عشوائية وأماكن، تم دفنهم فيها خلال حرب الإبادة".
ويلفت إلى أنه تم دفن كافة الجثامين التي لم يتم التعرف عليها، والتي سلمها الصليب الأحمر، بهذه المقابر، والبالغ عددها 244 جثمان شهيد، وبالتالي أخذوا أرقام داخل هذه المقابر.
ولكن عاشور يشير إلى أن الكارثة الأعظم أن هذه الأرقام تزداد بشكل يكبر، في ظل اكتشاف المزيد من المقابر الداخلية العشوائية خلال الحرب.
ملف يجب إنهائه
ويوضح أن عدد كبير من الشهداء الذين تم انتشالهم ولا يزال، ممن تم دفنهم خلال الحرب ولم يتمكن ذويهم من الوصول لأماكنهم بسبب التوغل والإغلاق، هم مجهولين، لم تم التعرف عليهم.
وبحسبه، فإن الإحصائية تتسارع ويتم انتشال المزيد من الجثامين، ودفنها في مقابر الأرقام.
ويضيف "العدد يتجاوز الـ544 شهيدًا في مقابر الأرقام، لكنها أعداد غير مستقرة، ففي كل أسبوع يوجد عدد واليوم عدد آخر، بسب انتشال المزيد من الشهداء وأجزاء من جثامين شهداء".
ويؤكد أن الشهداء المعلومين يتم تسليمهم لذويهم، ودفنهم في المقابر العادية حسب الأصول.
وفي ظل ازدياد عدد الشهداء في مقابر الأرقام بالقطاع، فإنه سيصدر بروتوكول بتوسيعها، وفق عاشور، الذي أكد أنه وحتى اللحظة العمل على الدفن يتم في المقبرة المخصصة.
ويصف "مقابر الأرقام"، بأنها "خنجر مسموم في خاصرة الشعب الفلسطيني، وهو بحاجة لانهاءه بشكل عاجل".
ويبين أن إنهاء ملف الشهداء مجهولي الهوية، يتم بحال قامت المؤسسات الدولية بدورها في إقامة مختبرات لفحص الحمض النووي للجثامين، ووجود قاعدة بيانات لهؤلاء الشهداء، مما سيحل جزء كبير من هذا الملف، بالتعرف على جثامين الشهداء.


