الثلاثاء 06 يناير 2026 الساعة 08:09 ص

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

ابن المهتز وابن المعتز (5)

حجم الخط

 

هذه هي الحلقة الخامسة من مراجعاتنا في ديوان ابن المعتز، والحفر والتنبيش في التراث الأدبي النفيس الذي تركه، ودقة المحاكاة للواقع.

ولعل هذه الحلقة تكون الأخيرة في هذه السلسلة، مع أنّ في الديوان من المناجم ما يستحق العودة، ولعلّي أكتب بعد هذه السلسلة سلسلة تعريف بكتاب هيكل: مبارك وزمانه، لتعرف كيف كان يقود مصر العظيمة، وبسؤال هيكل الذي طرحه في كتابه: كيف حكمت بقرة مصر ثلاثين سنة؟ وكيف حكم آل الأسد يا عم هيكل سوريا أربعين سنة؟ البقرة على الأقل داجن!

 

ولا يظنن ظانّ أنّ سكوت الشعب عن "الشاب بشار" مع علمه بأصوله كان غفلة، وإنّما هذا معدن الشعب الكريم يعطي فرصة ولا يحاسب الابن على ما فعل الأب، فلما تبيّن له أنّه عدو لله وأنّه يشبه أباه، قلب الشعب له ظهر المجن لما ظهر منه ما أبطن! ولا أريد أن أطيل في التقديم فإلى ابن المعتز وشعره والرتوش:

 

• أطلال بابا عمرو:

لما وقفت على الأطلال أبكاني         ما كـــــــان أضحكني منهـــــــا وألهــــــاني

فمــــا أقـــــــول لحكم شتتت يده          شملي، وأخلى من الأحباب أوطاني

لك الله يا بابا عمرو، يا رمز الصمود والتضحية والفداء، والله يرى، وما أخلفك الوعد، فإنّ بعد ما ترى نصراً مؤزراً. فلا تبك أيّها الشعب واستبشر، فما زاد الطغيان إلاّ ليقصم أصحابه: "ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون".

• بابا عمرو أو باب عمرو:

يا باب عمرو جادتك أمطــــار            فيك الدما سيل وأنهار

تحسب قومي يضَيّعون دمي            ما ضاع قبلي لثائر ثار

• الرحيل الرحيل:

فالرحيل الرحيل يا عسكر الشيطان من كل مجرم وعميل

• أوطان كالمقابر:

مقفرة الربع لج هاجرها               عامرها موحش وغامرها

ينتحب القـوم في منازلها                كــــــأن أوطانها مقابـــــــــرها

سوريا جنة الله في أرض الله، ولكن حوّلها الظالمون إلى مقبرة واسعة كبيرة مفتوحة فاغرة فاها، فالعامر منها موحش والمهجور منها موحش ورائحة الموت في كل منعطف. ألا جعل الإله الموت مصير من حوّل الوطن الجميل إلى مقبرة جماعية!

• حمار الحمير:

هذا الحمار من الحمير حمارُ           وذا الدمار من الدعيّ بشار

فكأنمــــــا الحركات منه سواكن           وكأنما إقباله إدبار. ص255

• لجّت شُرير:

لجت شُرَيْرُ وأمعنت قتلاً                وصغت ضمائرها إلى الغدر

وشرير هو اسم آخر من أسماء الدلع والتأنيث لشرشبيل وشُرّة وبشار.

• إلى شُرَيْر:

جربتك حتى قد قلبتك خبرة            فأنت وعاء حشوه الهم والوِزْر

فإن أرتحل يوماً أدَعْكِ ذميمة            وما فيك من دعوى غراس ولا بَذْرُ

• بيت شُرَّة:

اذهب إلى بيت شُرَّة                     فقد تجــــــاوز قــــدره

وقـــــد عـــــــلا وأفسد                     مصيره سجن طرّة

والدهر يعمل في كل موضع فيه سرَّه.

شُرّة: قلنا مراراً أنّه ترخيم لاسم بشار وشرشبيل.

• يا نفس صبراً صبراً:

يا نفس صَبراً صبرا                       أما عرفــــــت الدهرا

للــــه منـــــــي قـــــلــــــــــــب                       يقري البلايا شكرا

يــــــــــا رب ليــــــل قــاس                        كـــــــان عَلــــــــــيَّ قُـــــــــرّا

ســــــريـــــتـــــه بعيـــــــــــــني                      حتى رأيــــــت الفجرا

واستجمعت همومي                      حتى ملأن الصــــــدرا

ذاقـــــــــت من الأعادي                       عينـــــــــــاي لحظاً مرا

ضـــــــــاع الوفاء منهم                       وأضمروا لي الغدرا

يا نفـــــــــــــس لي بقوم                        كـــــــــــانوا كراماً زُهرا

مضـوا بخير عمري                       وتـــــــركوا لـــــي الشرا

هـــــل للأعـــــــــز ذنـــــب                        إن لـــــــــم يكونوا غرا

أغمدت عنكم سيفي                       وقد ملكت النصــــــرا

وليــــــــس كــــــــــــل وقــــــت                    يطفئ مــــــاء جمـــرا

كـــــــــــم مـــــــن عبيــــد دار                   ظعنتُ عنهمْ حـــــــــرا

ذا خلــــــــق كـــــــــــــــرــــــــــــيم                    لم يبق فيهم عَقرا

ونـــــــــــســــــــــــب صحــــيـــح                    ينطق عني جَهـــــرا

خاضوا الظلام بعدي                    وكنت فيهم فجـــرا

الشاعر في هذه القصيدة يتكلم عن بعض بني قومه ولؤمهم معه، وهم الذين مضوا بخير عمره وتركوا له الشر، مع أنّه كف عنهم كل شر وما ترك فيهم أثراً لعقر أيّ لجرح. وهو يتحدث عن قوم كانوا سفلة فارتحل عنهم لذلك، وحافظت على نسبي وحريتي، وكنت فيهم كالفجر فلما ارتحلت بقوا في الظلام.

وما أشبه من يعنيهم بحال من أعنيهم! كانوا سوقة فصاروا يسوقون الناس!

 

• بكاء الدم:

قد مات تاريخُ عز السيف والقلم        فما البكاء بُكاً عِنْدي بغير دمي

مات الذي كان وثاباً على فـــــُرَصٍ       وآخذا مــــن عُداة الملك بالكَظــــَم

 

مات تاريخ عز السيف باستخدامه (أيّ السيف) في قتل الأبرياء، والشبّيحة الذين حملوا السيوف. وقد ضرب أحد الشبيحة بالسيف شاباً على عاتقه فقطع في العاتق قطعاً ظل معه الشاب ينزف حتى الموت، فكانت من أجله مظاهرة المزة التي شارك فيها ثلاثون ألفاً.

 

وأمّا موت عز القلم فالأقلام المأجورة في بلادنا التي ما زالت ترى في الأسد مثال العروبة والقومية والممانعة والمقاومة، ويتحدثون عن مؤامرة ضد سوريا، وما المؤامرة إلاّ ادّعاء العجز أمام نظام مهترئ، أما سمع هؤلاء المرتزقة قول مسؤولي "إسرائيل" لمسؤولي أمريكا: "خفوا عن صاحبنا"!

 

وأمّا قول الشاعر: "وآخذاً من عداة الحكم بالكظم"، أيّ آخذاً برقاب من اغتصبوا الحكم اغتصاباً، وانتهبوا البلاد انتهاباً، واستلبوا الكرامات والحريات استلاباً، آخذاً بمخارج أنفاسهم فمضيّقها عليهم حتى ينتهوا إلى جهنم!

 

ونعود الآن إلى بقية القصيدة الطويلة التي بيّنت ما صنع "العلوي قائد الفساق"، وأنّه لم يزل ذاك دأبه وتخريبه حتى جاءته عقوبته، وكانت الخاتمة السعيدة للشعب والوطن:

فلم يــــــزل ذلك دأب الجاهل             حتى رمي بسهم قــــــــــاتل

سبحان من أراح منه الخلقا             فكيف يحيا مثله ويبقى

 

هذا تفاؤل واستبشار بزوال بشار، والبشرى في اسمه بزواله إن شاء الله، أما هو فلا بشارة فيه إلاّ أن يزول هو من الوجود، وهذا ما سيكون، بإذن الله، عن قريب جزاء ما ارتكب من فظائع وشنائع وسوء صنائع.

 

حتى إذا حــــــــــاطت بـــــــــه آثامه                وقــــــربــــــــــت مـــــــن الردى أيامه

وهكــــــــذا عــــــــاقبـــــــــة الطغيان                 وطاعـــــــة الأنفــــــــس للشيطـــــان

وحمـــــل البشــــــــــّار في القيـــــود                 إلى إمــــــــام الأمـــــــــــة السعــــــــــــيد

ثم ابن أَسْد بعد ذاك قد قُتل                 لم ينجه حصن ولا رأس جبل

وأسلمتـــــــــــه للسيــــــوف والقنا                 جند تخلوا عنه حين قد دـــــــــنا

وطـــــــــالما عـــــاث وجـــــــار وعَنـــَد                 وـــقام يبغي الملــــــك حيناً، وقعد

فكـــــان مـــــا قد كــــــان أن يكونا                 وصـــــار حقـــــــــاً قــــــــتلـــــــه يقـــــــينا

فعاين الموت الذي منه هـــرب                  ومــــــن يفــــوت قـدراً إذا اقترب

فكم وكـــــــم مــــــن هـــــارب ذليل                 وكــــــــم أســـــــــــــير خاضع مغلول

ثم استوت من بعده الخلافة                  وزالـــــت الــــــــــــرهبـــــــة والمخافة

من أعظم إنجازات ثورات الربيع العربية كسر حاجز الخوف وأعظم إنجازات الأنظمة كان زرع الخوف في تربة العالم العربي وفي قلوب الخلق حتى صارت الأرض العربية أرض الخوف وأرض النفاق وأرض الرعب، حتى زالت الغمة والغشاوة وانقشع الخوف وتوحّد فلم يعد يُخشى إلاّ الله. وهذا ما يتكلم عنه الشاعر المعتز ابن المعتز!

 

وولي الملــــــــــــــك إمامٌ عادل                   قـــــــــــائـــــلٌ كلّ حكمة، وفاعل

فلُقيــــــــــــت بيعته بالطاعة                   ورَضــــــــيت بــذلك الجماعة

وابتهج الحق وأهل السنة                   وشكـــــــــروا، واللهِ، تلك المنة

وأصبح الروافض الفجار                   يخفـــــــون حزناً أسُّه بُشــــــار

فالآن زال كل ذاك أجمــــــع                   وأصبح الجور بعدل يقمع

ومظهـــــــــراتٍ قوة الإسلام                   على أعاديـــــــــــه من الأنــــــام

تخبر عن عز وعن تمكين                   وحكمــــــــــة مقرونة بالدين

 

اللهم حقق هذا الرجاء واستجب الدعاء، لشعب الفداء في حماة أبي الفداء وحلب الفيحاء ودمشق الشهباء، وكل سوريا الإباء، اللهم آمين، يا رب الأرض والسماء وإلى لقاء.