هذه هي الحلقة الثالثة من التنقيب في منجم للمعاني والكلام البليغ الفصيح في ديوان ابن المعتز، الشاعر البغدادي الذي كان في زمن الدولة العباسية، وكتب قصائده قبل (1150) سنة أو حواليها، ولكنها كشأن الأدب الحي، كأنّما تقرأ على الواقع، أو يقرأ الواقع من خلالها. فلما قرأت ديوانه وجدته منطبقاً، ولا أقول متقارباً مع الواقع، بل وجدته متماهياً كل التماهي. وقدّمت الحلقة الأولى والثانية من هذا التنقيب، وسيتلو هذه بعون الله حلقة أو اثنتين، فله قصيدة: "والعلوي قائد الفساق" ووالله ما يمكن أن تظن إلاّ أنّها في "صاحبنا".
ولست أحب اللغة الطائفية، وهي على كل حال ليست لغتي، إنّما هي لغة ابن المعتز، فعتبكم عليه. على كل حال تلك القصيدة المطولة جداً ليس في هذه الحلقة إيرادها، إنّما هذه الحلقة في مقطّعات كالحلقة الأولى.
فإلى ديوان العرب، والشعر الذي كان شعراً، وإلى النظر في "المرايا"، فلا تدري ما تراه الواقع أو صورته في مرآة الشعر، وسبحان من خلق الإنسان وسبحان من علّمه البيان. وفعلاً إنّ من الشعر لحكمة وإنّ من البيان لسحراً، أدعوكم إلى وليمة لا على حسابي وإنّما على حساب ابن المعتز:
• الشر المتأجج.
إنّي أرى شــــــــراً تــــــــــــأجَّجُ نـــــاره وغديرَ مملكة كثيرَ الوالغ
والناس قد ركبوا مطايا باطل والحق وسْطهمُ برحْل فارغِ. ص 314
• دولة الجوْر:
ألا حبّذا الناعي، وأهلاً ومرحباً كأنــــــّك قــــــــــــد بشــــــــــرتني بغـــــلام
وكم دولةٍ للجور من قبــــــل هذه مضت، وانقضت عنّا بغير سلام
وكم يحمل الضيمَ الفتى، وهو آخذ بقائم سيف، أو عنان لجام. ص 398
• لا تُكثروا شوك الأذى:
ألا هل تروا ما قد أرى من معـــــــــــاشر لهم فيّ حكمٌ يهجرُ الحقَّ مشتط
إلاّ أنــــــــّها أم العجــــــــــائب فاصطــــــــــــبر وإن كنت ما لُقيتَ أمثالها قط
فلا تكثروا شوك الأذى في غصونكم فيكثر منّي فيكم الكسر والخبط
وهــــــــل لكـــــــــم مــــــــن هــــذه غيرُ زفرةٍ تُصعّد منكم في الصدور وتنحط
وإلاّ وعـــــيــــــد لا يــــــسيـــــــر بـــــــــجنــــــده وحيّات ضِغنٍ في مكامنها رُقط
ولا رحـــــــــم إلاّ وقـــــــــــد شجبت بكــــــــــم ومزقتموها مثل ما مُزّق المِرط
سخطتــــم على الله العظيـــــم قضاءه سيمضي بما فيه، إذا كثر اللغظ. ص 294
• قاس فظ:
قاس على سفك الدماء فظ ما بينه وبينهن وعظ. ص 299
يا من به خسرت آخرتي:
إلى الشيوخ الذين وقفوا إلى جانب الباطل متمثّلاً في رئيس هو رمز لكل قبح وشر وشرك وطغيان ودمار وخراب ديار، نهدي قول ابن المعتز متمثلين موقفهم غداً حين يجمعهم الله مع رئيسهم فيقولون له، ويقول كل منهم له: "يا من به قد خسرت آخرتي" ص 9
• وهذا البيت إهداء إلى الرئيس الشاب الطبيب الإنسان الذي سخّر كل معدات الجيش السوري لسفك دماء الشعب السوري:
ولي صارم فيه المنايا كوامن فما ينتضى إلاّ لسفك دماء
• وهذا إهداء إلى الرئيس المحبوب المنخرط في خدمة الشعب:
يا من به صَمم عن الشكوى وتغافُلٌ عن صاحب البلوى
• وللرئيس وللنظام والأزلام والمستفيدين اللئام نهدي هذه الكلمات كأنّها تصوّر موقف الشعب منكم آل حاطب (أو آل حافظ!):
وليس يريد الناس أن تملكوهم فلا تثبوا فيهم، وثوب الجنادب
وإياكم إياكمُ، وحذار من ضراغمة في الغاب حمر المخالب
إلاّ أنّها الحرب التي قد علمتم وجربتم، والعلم عند التجارب. ص 50
• وإهداء أيضاً إلى الرئيس، وقد كثرت الإهداءات له في هذه الحلقة، والحق مو علينا، الحق على ابن المعتز، يدلل ابن (..)، قال:
فيا أسداً ظل بين الكلاب تربيه على نهج الأب. ص 68
• وهدية أخرى من الشاعر:
لا تظني الأسْد ناساً هذي أُسْد كالكلاب. ص 69
• ولعلها تصلح هدية مناسبة للمعلم وليد وقد عنونها: "نصف بغل"، هكذا والله.
ورأينا نصف بغل فوقه قرد كئيب
أترى إبليسَ يرضى "بمعلمنا" النجيب. ص 70
• وللرئيس وللناطقين أو الناعقين باسمه، كالجعفري وفرس البحر وليد المعلم ومن لفّ لفّهم ونطق نطقهم وتكلّم بمنطقهم ودعا بدعايتهم وكذب كذبهم، قال ابن المعتز تحت عنوان: "نطق اللئام":
نطق اللئام، فمن يقول ومن سبحانك اللهم، يا ربِّ
حتى، وحَتّى لست أذكرهم إنّي لأكرم عنهم سبي. ص 71
• والرئيس الذي ادّعى الممانعة والمقاومة والعروبة والإيمان ودعم حركات التحرر ومقارعة الإمبريالية، قال فيه ابن المعتز تحت عنوان: "المصوغ من النفاق" قال:
كأنّه صاغه النفاق فما يخلص منه صدق ولا كذب. ص 77
• وله مقطوعة بعنوان "عقرب ونار" أكتفي بعنوانها عنواناً للعهد ومرحلته ورئاسته.
• ولو رأى الوالد ما فعل الولد وهو يفوق ما فعل لقال: ما خابت فراستي فيك، ولاستشهد ببيت ابن المعتز:
صَدّقتُ فيك فراسةً من والدٍ في المهد ظن بك الذي بلغتها. ص 105
• وكأنّ الشعب السوري وقد بلغت ثورته سنتها الأولى وبدأت السنة الثانية، وهذا النيرون يصب النيران على شعبه، والشعب يتمثّل قول ابن المعتز ويقول: "أمَا لنا من عَذَابنا فرج؟".
• وكأنّ ابن المعتز فصّل قصيدته هذه على مقاس الزرافة، أخينا ذي الرهافة، المحروس ذي اللطافة، حين عنون قصيدته: "حظ الرئيس كمده"، وقال مما قال:
غُلّت من الدهر يدُه قتّالة من تلده
يفنى، فيبقى أبدُه والموتُ ضارٍ أسَدُه
قالوا: قليلاً عددُه من غش قل ولده
حظ الرئيس كمده. ص 158
وأختم هذه الحلقة بأبيات يمدح ابن المعتز فيها جنود الجيش السوري الحر. صدّق أو لا تصدّق. إليك القصيدة:
• "عسكر أبطال" هذا عنوان قصيدة في ديوان ابن المعتز، آثرتُ أن أتركها كما هي في الديوان، ولم أغيّر العنوان، وكنت أرشح لو كان لي الاختيار أن أجعل العنوان: "الجيش السوري الحر"، لكنّي أتركه كما أراده ابن المعتز. والقول ما قال ابن المعتز.
سرى ليلة حتى أضــــــــــــاء عمودها وأيّة سَوْق شَوقها لا يعودها
وسار مسيرَ الشمس لم تبق بلدةٌ من الأرض إلاّ نحو أخرى يريدها
وشيّعـــــــه قــــــلب جـــــــــــريء جنـــــــــانه ونفسٌ كأنّ الحادثات عبيدها
خليليّ، هــــــــذي دار شــــــــــرّة، فاسألا مغانيها، لو كان ذاك يعيدها
خــــلت وعـــــفت إلاّ أثــــــــافٍ كأنّـــــــــــــها عوائد ذي سقم بطيء قعودها
وحــــــــرب لو أنّ الله يرمي بجمرها شماريخَ رَضوى زلزلتها جنودُها
يسعــــــرها أبطــــــــالهـــــا بصـــــــــــــــــوارم ويفلق بيضات الحديد حديدها
ومصقولة الأطراف حمرٍ كعوبُهـــا سريعٍ إلى نفس الكمي ورودها
بعسكــــــر أبطـــــــال تبيـــــــت كُمـــــــاتُــــــه وإن نزحتْ عنه، قليلاً هجودها
وليــــــل يـــــــود المصطلــــــــون بنـــــــــــــاره لو أنّهم حتى الصباحِ وَقودُها
يقيــــــــم بِبِيض المشــــــرفيات والقــــــنا وراثة مجد قد حمتها جدودها
إذا لبسوا من ذا الحديد غلائــــــــــلاً وهزوا رماح الخُط حمراً عُقودُها
هناك تُلاقي الصبر ضنكاً طريقُه وجندَ المنايا شارعاتٍ بنودُها. ص 156
بعض معاني الغريب من الألفاظ: سَوْق: الإبل المسوقة. والعوائد: زائرات المريض. ورضوى: جبل، وشماريخه: أعاليه. والهجود: النوْم في الليل. والشارعات: المرفوعة. والخُط: رماح تباع في منطقة بعُمان هذا اسمها. وقلنا من قبل إن "شُرة" هو اسم الدلع أو الاسم الحركي لبشار و"هرة" الاسم الحركي لماهر. ولابن المعتز معنا عودات.
