الحديث في موضوع الحابل والنابل ممدود كالحبال نفسها. ونحن في هذه الحلقة العاشرة، ولا يزال أمامنا –إن كتب الله بقية- كالذي مضى. وهذا يدل من ضمن دلالاته على سعة لغتنا وغناها الدلالي، وغنى الشواهد، هذا كله مع الجهد القليل، والتفرغ الأقل، وإلا فإن الموضوع أغنى وأوسع وأعمق وأبعد مدى ومرمى. ونبتدئ حديث اللغة من اللسان وبعض شواهده من الشعر:
ونواصل مع اللسان في معنى «حبل»: قال كثير:
فلا تعْجلي يا عَزّ، أن تتفهمي بنصح أتى الواشون أم بحبول
وقال الأخطل:
وكنت سليم القلب حتى أصابني من اللامعات المبرقات، حبول
قال ابن سيده: فأما ما رواه الشيباني خبول، بالخاء المعجمة، فزعم الفارسي أنه تصحيف. ويقال للرجل الداهية أو للداهية من الرجال: إنه لحِبل من أحبالها، وكذلك يقال في القائم على المال. (لأن موضوع المال دقيق ويحتاج إلى محاسب خبير في ضبطه، وهذا لإتقان فنه كأنه الداهية!) (هكذا أرى تخريج المعنى. والمعنى في بطن القاموس!)
قال ابن الأعرابي: الحِبل: الرجل العالم الفطن الداهي، قال: وأنشدني المفضل:
فيا عجباً للخود تبدي قناعها تُرَأْرِيءُ بالعينين للرجل الحِبل
يقال: رأرأت بعينيها وغيّقت وهجلت إذا أدارتهما تغمز الرجل. وثار حابلهم على نابلهم إذا أوقدوا الشر بينهم.
وراح بها من ذي المجاز، عشية، يبادر أُولى السابقين إلى الحبْل
قال السكري: يعني حبْل عرفة. والحابل: أرض. (قلت: حبلة بتسكين أو فتح قرية بين طولكرم وقلقيلية).
قال ابن الأعرابي: الأحبل والحنْبل: اللوبياء (ما غيرها، أخت الفاصولياء!) (أظن!)
وفي حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لنا طعام إلا الحبلة وورق السمر. قال أبو عبيد: الحبلة والسمر ضربان من الشجر. قال شمر: السمر شبه اللوبياء. ومنه حديث عثمان رضي الله عنه: ألست ترعى معْوتها وحُبلتها؟
وحبال: اسم رجل من أصحاب طلحة بن خويلد الأسدي، أصابه المسلمون في الردة فقال فيه:
فإن تك أذواد أُصبن ونسوة فلن تذهبوا فرْغاً بقتل حبال
وفي حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع مُجّاعة بن مَرارة «الحُبل»، موضع باليمامة. والله أعلم. أ.هـ. من اللسان باختصار.
والآن ننتقل إلى كتاب: «حبال من رمال» والفصل الخامس.
الفصل الخامس من هذا الكتاب الاستخباري الأمريكي المتعلق بمنطقتنا. وإنما ألخصه لتبين حقبة من التاريخ، كيف كان يدار، ومقدار الهيمنة الأمريكية على المنطقة، والإحلال بين الاحتلال الإنجليزي والأمريكي. وهي بذور تشكل الواقع الحالي. ولن نفهم المرض إلا بدراسة تاريخ المرض History of disease كما يقول الأعجمون.
ونعود إلى الكتاب وعنوان الفصل الخامس هو: الرؤية من واشنطن. ويقع في أقل من ثلاثين صفحة بقليل.
يقول ولبركرين ايفلاند: عدت إلى الولايات المتحدة في نهاية52 (بعد خدمته في العراق) وعينت في المكتب العسكري (الاستخباري) المتخصص بشؤون الشرق الأوسط. يقول: وكان وقتاً مثيراً أن نكون في واشنطن، حيث راقبت تولي إيزنهاور السلطة. وشعرت بأن الإدارة الجديدة ربما تصلح العلاقات مع العالم العربي. وقد تأثرت باعتراف (الرئيس ترومان) بإسرائيل.
يقول: وكنت مكلفاً بتحليل وضع القوات العسكرية في البلدان العربية، وفي إسرائيل(!) (هذه التحليلات تصب في النهاية في الاستخبارات الإسرائيلية!) وكانت الجيوش العربية تحتوي على تجهيزات آيلة إلى الزوال، وتفتقر إلى الذخيرة، وكان يقودها ضباط فاسدون (على ذمته). وأصبحت إسرائيل بفضل مخابراتها الأكثر مقدرة في الشرق الأوسط. لا تخشى من أي هجوم من قبل العرب.
وكان على العراقيين والمصريين أن يتدبروا أمورهم بفضلات الأسلحة البريطانية الفاسدة التي بقيت من معدات الحرب العالمية الثانية.. قبل أن توقف أمريكا وإنجلترا تصدير الأسلحة إلى العرب أثناء حرب فلسطين. وكانت القوات السورية واللبنانية المجهزة بمعدات فرنسية لا تتدخل بجدية في القتال مع اليهود. وأشار إلى تعاقب الحكومات العسكرية في سوريا مما أعاق مشاركتها (الانقلابات مشبوهة بالطبع!). وكان الحرس الوطني السعودي مهمته محصورة في حماية الملكية. (هذه كلماته!). ثم أشار إلى الجيش الأردني الصغير لكنه مدرب تدريباً جيداً، لكن مقدرته العسكرية محصورة بالتقديرات السياسية (بالحرف!)
ثم أشار إلى الخلاف بين القادة العراقيين والأردنيين. وذكر جيش الدفاع وأسلحته المتنوعة والطائرات التي هرّبت عن طريق المنظمات الصهيونية! بقيادة «بيغن». وذكر المعونات الروسية لإسرائيل والطائرات الآتية لهم من تشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا (يعني المعسكر الشيوعي والرأسمالي كان معهم) يقول: تجميع هذه المعلومات كان حيوياً لحكومة أمريكا لتقدير إمكانية تجدد القتال. ولتقدير إمكانات القوات الإسرائيلية في المحافظة على الدفاع عن نفسها ضد هجمات العرب (أين هي؟) (وذلك من أجل تتدخل أمريكا في الوقت المناسب إن احتاج الأمر. ولم يحدث إن احتاج لأنه ما من حرب حقيقية!)
ومنذ تاريخ الهدنة (49) كان البنتاغون يمول إسرائيل دائماً لتكون جاهزة لرد أي اجتياح من قبل الجيوش(..) مجتمعة(على طلب إسرائيل!) ووافقت أمريكا على التزويد لإسرائيل بأحدث المعدات التي تكفي لهزيمة الجيوش العربية في عقر دارها. (كما يقول!)
ثم أشار إلى أن الملحقين العسكريين الأمريكان كانوا واحداً من أهم مصادر تقدير قوة الجيوش. وكان وزير الدفاع هذا الوقت «تشارلز ويلسون» وكان غرانت (المكلف بتقدير القوات) يزود البنتاغون بتقارير يومية (لاحظ الاهتمام! وتعلم!)
وكانت مكاتب البنتاغون تشير إلى استراتيجية الاعتماد على منابع البترول في الشرق الأوسط. ومنذ سنة44 طالبت الحكومات المصرية المتتالية بجلاء قوات بريطانيا عن قناة السويس. ولكن في سنة52 استطاع الضباط المصريون ذوو الميول الغربية (الأمريكية يعني!)، استطاعوا طرد الملك فاروق. وأصبح واضحاً أنه إذا بقيت بريطانيا هناك سيكون مجلس قيادة الثورة غير قادر على مراقبة المصريين المتطرفين الذين يمكن أن يستعملوا الأساليب الإرهابية. (تأمل الصياغة المدهشة! واللف والدوران في العبارات. ولكن الفكرة إن وجود بريطانيا يشكل عائقاً فلا بد من خروجها لتمارس الثورة رقابة المتطرفين (واضح أظن!)
وذكر الكاتب عرض بريطانيا الانسحاب وربطت ذلك باقتراح تشكيل «قيادة الشرق الأوسط» التي تضم الدول العربية وبريطانيا وأمريكا وفرنسا وتركيا بغية الدفاع عن الشرق الأوسط (يا ولد!) (طيب يا سيدي ولم لم تدافعوا عندما احتلت إسرائيل فلسطين؟!)
يقول الكاتب: وكانت أمريكا تعلم أن الدول العربية سترفض هذه المشاريع. (هل هي تعلم أو توحي؟) ثم يذكر الشيوعية. ويذكر هجرة قرابة مليون فلسطيني والهزيمة التي ينسبها العرب إلى مساعدة أمريكا وبريطانيا لإسرائيل. (والحقيقة؟) وقال: إن وضعية الفلسطينيين تطرح تهديداً كبيراً للولايات المتحدة(!!)
يقول الكاتب: وبدأت أعرف المزيد من المعلومات من النشاطات السرية لوكالة الاستخبارات الأمريكية. وفي أول 53 أرسل هنري بايرود (معاون وزير الخارجية) من قبل وزير الخارجية دين أشيسون لمقابلة (إيدن) وزير خارجية بريطانيا والبحث معه في مخططات بريطانيا للدفاع عن الشرق الأوسط(!!). يقول: وقابلته في بغداد ولكن سفيرنا اعتبر تدخله في شؤون الشرق الأوسط سيزيد الاضطراب والفساد(!!)
ثم أشار إلى طبيعة عمله وتقاريره، وأشار إلى التسلل إلى فلسطين من قبل المهاجرين وردود إسرائيل، وهل ستقود هذه إلى مواجهات؟ كل ذلك يرفعونه أولاً بأول إلى إيزنهاور.
وأشار إلى قرار التقسيم وأنه نص على إقامة دولة إسرائيل ولم ينص على دولة للفلسطينيين. وذكر انحياز أمريكا الكامل لإسرائيل وعدم سماع أي نصح بهذا الخصوص. (ومع هذا هي صديقة العرب. قل لي بالله كيف؟!)
ثم يقول: دفعت أمريكا (150)مليون دولار إلى الحكومات العربية لمساعدة اللاجئين. (ولم يتحسن وضعهم كما يقول. ولا تسل بعد لماذا) يقول: وحذرتُ من أن الإخفاق في حل قضية فلسطين (يذكر التعويض) سوف يخلق جيلاً جديداً من المقاتلين الفلسطينيين. (نبوءة صادقة ولكن المقاتلين تحولوا إلى متعهدي حراسة أمن إسرائيل!)
ثم يذكر «دالاس» وزير خارجية أمريكا الذي كان ضابط مخابرات. (مش عند العرب وبس!) ويذكر أن دالاس زار مصر سنة53 وأهدى نجيب مسدساً من إيزنهاور وكان يناديه «جورج واشنطن مصر» وتضايق الإنجليز من هذا. وأكد دالاس أهمية توسيع موارد مياه المنطقة! واقترح من خلال بايرود على دول النفط أن تساعد الأقل حظاً. ثم ذكر انقلاب مصدق على الشاه. وهربه إلى العراق. ثم أشار إلى مشروع جونستون للمياه لاستصلاح الأرض لاستيعاب مليون فلسطيني. ثم ذكر اعتراف الروس بالقدس عاصمة لإسرائيل. ثم ذكر قول الملحق العسكري الأمريكي في تل أبيب أن إسرائيل بإمكانها أن تشن حرباً على الدول العربية دون علم أمريكا. ثم ذكر تحويل مياه نهر الأردن إلى منطقة النقب. وأخيراً قال كين: إن هدف إسرائيل أن تسيطر على كل مياه نهر الأردن.
والحديث عن هذا الكتاب مستمر. فنلتقي في حلقة قادمة مع الحابل والنابل.. وحبال من رمال!

