الاستثمار في التعليم العالي أصبح من الشعارات الرنانة التي نسمعها، وهو شعار في ظاهره رحمة وفي باطنه صورة بشعة لاستثمار مالي بهدف الربح عن طريق اجتذاب أكبر عدد من الزبائن وتسويق سلعة التعليم ببيع شهادة جامعية بعد استيفاء الرسوم وحد أدنى من المدة الدراسية! أما عن جودة المنتج (الطالب) فحدّث ولا حرج، ويكفي دلالة عليها اعتراف أحد وزراء التعليم العالي سابقا بمعرفتهم ببيع الأبحاث والرسائل الجامعية دون قدرتهم أن يسيطروا على ذلك! وقد يمر الأمر دون ملاحظة أو مساءلة إلاّ إذا كان له بالمرصاد أستاذ جامعي يأخذ وقتا ليقرأ فعلا الصفحات المعبّأة التي يسلّمها الطلاب له على أساس أنّها من بنات أفكارهم مع شيء من التعديل والاقتباس! أما إذا كان الأستاذ يصلّح على العمياني ويضع العلامات على الأشكال والهيئات والأسماء واعتباطا أحيانا أخرى فلا غرو أن نجد مستوى الخريجين بهذه الضحالة العلمية
«ادفع قسطا تنجح فصلا»، وهذه ليست دعابة فكثير من الجامعات الخاصة لديها سياسة معمول بها وإن لم تكن مكتوبة أو مقننة بأنّ نسبة النجاح لا يجب أن تكون أقل من 75 في المئة خاضعة للزيادة حتى لا يطفش الطلاب من الجامعة وينتقلوا لغيرها، فالسوق كبير والعرض أكثر من الطلب.
بل إنّ سياسات الدفش والرفع والتعديل أصبحت من الممارسات المعتمدة في الامتحانات النهائية وقبل إصدار النتائج، ومن حصل على علامتين أقل من علامة النجاح يجب أن نزيد له علامتين حتى يصل إلى علامة النجاح، ولكم أن تتخيلوا كيف سيكون المستقبل مع معلم ينجح بالدفش والغش، ومهندس ينتظر علامات الرحمة لينجو من الانهيار!
بل إنّ جزءا من تقييم الأساتذة مبني على رضى الطلبة، ورضى الطلبة مبني على العلامات، فهذا أستاذ ممتاز بحسب الرواية الطلابية والسبب أنّه يعطي علامات ولو كان علمه من زمن سيدنا آدم! وذاك أستاذ ينخفض تقييمه ويقلّ التسجيل في شعبه ويكاد يفقد وظيفته لأنّه عادل في تقييم الطلبة، يعطيهم بعلم وأمانة ويتوقّع منهم أن يردّوا العلم بأحسن منه أو مثله على الأقل، ينخفض تقييمه لأنّه لا يعرف عائلة ولا نسبة ويعامل الطلاب سواسية كأسنان المشط، لا فضل لطالب على آخر إلاّ بالعلم والتفوق.
نعم ينهار العلم ومؤسساته عندما يُشترى بالمال ويصبح الحفاة العالة من العقل والفهم يتطاولون بمالهم وشهادات مدفوعة الثمن مسبقا سينالها الطالب بعد زمن طال أو قصر.
بل قد تأتي التوجيهات للأستاذ على شاكلة «هذا طالب خرّيج أو نريد أن نخرجه فقد طال مكوثه في الجامعة»، فينظر الأستاذ إلى علاماته ومعدله فلا يرى ذلك ممكنا إلاّ بمعجزة، وبما أنّ الطالب ليس من أصحاب المعجزات فاصطناع المعجزة يقع على عاتق الأستاذ، ولا بأس بتنويم الضمير لفترة فالأستاذ أيضا مربوط من اليد التي توجعه والوظيفة لا بد منها والراتب لا غنى عنه، وهو لن يخرّب الكون بتخريج طالب آخر لا يفقه الألف من الياء!
إنّ انهيار منظومة التعليم ليس حالة عربية فحسب، وإن كانت الحالة العربية فاقعة وواضحة ومتردّية، فالغرب أيضا وصله الفساد، وها هي كلية لندن للاقتصاد التي يكفي اسمها لإضاءة سيرة من يتخرّج منها تبيع القذافي سيف شهادات مقابل التمويل لبعض برامجها!
وهناك بالمقابل دول كماليزيا والصين واليابان استثمرت في التعليم بتخريج الكفاءات التي يحتاجها البلد فضمنوا بذلك الازدهار والتقدم والاستقلالية.
أما نحن فحالنا على رأي المثل: علم في المتبلم يصبح ناسي، وسيقع هذا القول على آذان صماء في بلاد ما زالت تعلي من قدر أصحاب الجيوب المنتفخة وتخفض أصحاب الرؤوس الكبيرة!
