الإثنين 12 يناير 2026 الساعة 08:53 ص

مقالات وآراء

وبالت أمريكا على رؤوسنا

حجم الخط

لم يأتنا الاستعمار بوجهه العسكري أو الثقافي الحقيقي بل جاء دائما تحت ستار إعلامي ملون بالحرية ومهمة تثقيف وتمدين الشعوب المتخلّفة civilizing mission، غير أنّ ممارساتهم على واقع الأرض علّمتنا أنّ المستعمرين كانوا يتركون هذه المبادىء في بلدانهم ويفدون علينا صفر اليدين من أيّ قيمة أو خلق.

 

 وفي مشهد أخير على هذا السجال بيننا ذُلّت كرامتنا واستبيحت إنسانيتنا إلى حد لا يشفى معه غليلنا ولا يأخذ بثأرنا سوى أن نقلع عينا بدل عيننا وسنا بدل سننا ونردّ عدوان الظالم البادىء قصاصا عدلا ينكّل به ويشرّد من خلفه ويجعله عبرة لمن اعتبر، وذلك بعد أن قام جنود الإنسانية والعدالة الأمريكان بالتبول على جثث مقاتلي الطالبان، بل وصوّروا المشهد بشكل استعراضي يثبت اقتناعهم بل وتعمّدهم واحتفالهم بما فعلوا، على عكس الرواية الرسمية الأمريكية في الرد على الجريمة من كون هذا التصرف غريبا أحاديا لا يمثّل المبادىء والتقاليد العسكرية الأمريكية!

 

 وكأننا غرباء على هذه التقاليد العسكرية الأمريكية ولم نعاينها سابقا في العراق بما هو أبشع وأخس وأحقر، وفي سجن غوانتانمو، حيث شهد السجناء أنّ التبول عليهم كان التسلية المتكررة للجنود لإهانة وتعذيب المعتقلين، ولم يقتصر عليهم فقط بل وصل إلى المصاحف إمعانا في إذلالهم واستهدافهم في أغلى ما يجلّون ويحترمون.

 

 كان الانتهاك سيمرّ دون ضجة كما مرّ غيره من الانتهاكات لأمريكا وحلفائها على امتداد البلاد العربية وحيثما وجدت جنودهم النظامية وغير النظامية لولا أنّ وسائل الإعلام رصدته وسلّطت عليه الضوء وأجبرت الإدارة الأمريكية على اتخاذ موقف رسمي ومحاسبة المسؤولين (على افتراض أنّ هذا سيحصل حقا).

 

 إنّ الدين الذي ينتمي إليه الأفغان الذين نجح الأمريكان في شيطنتهم أمام العالم جاء بقوانين في معاملة الأسرى والأعداء هي قمة في الترفع عن الحقد والتنكيل، فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإحسان إلى الأسرى، فكان الصحابة يطعمونهم أفضل طعامهم، وقد انعكست هذه المثالية في قول الشيخ العز بن عبد السلام في أحكام الأسرى والأعداء: «إذا اختلط قتلى المسلمين بقتلى الكفار فإنّا نغسّل الجميع ونكفّنهم توسُّلا إلى إقامة حقوق المسلمين من الغسل والدفن والتكفين وندفنهم في قبور المسلمين»، فالكرامة الإنسانية محفوظة في الإسلام لا تُمَس مهما كانت ديانة صاحبها.

 

 هذا هو الإسلام وتلك هي المنظومة الأمريكية، غير أنّ الإسلام يخفض الجناح في غير ذلة وضعف، فما سبق هو بعض المبادى العامة إلاّ أنّ بعض المواقف تحتاج إلى وضع السيف في موضع السيف وفل الحديد بالحديد كما حكم رسول الله في بني قريظة، فمن انتهك وخان واشتطّ فقد أخرج نفسه من ربقة الرحمة والعهد والتروي وعرّض نفسه لعزة السيف والحكم الفصل الذي لا يترك رأس نفاق أو خسة.

 

 لن يحرّكنا أيّ مشهد لقتلى الجنود الأمريكان بعد هذا، فذاكرتنا مثقلة بجثث قتلانا التي مُثِّل بها، ولن تستخفّنا ضلالاتهم في المناداة بحقوق الإنسان وهم السادة في انتهاكها.

 

 وأما الجنود، فهم سفراء دولتهم ولم يأتنا منهم سوى الحثالة والبول وقيء العولمة، وقد آن لنا أن لا نستقبلهم بالورود وأغصان الزيتون ولا بإدارة الخد الآخر.