الأحد 01 فبراير 2026 الساعة 05:25 م

مقالات وآراء

الإسلاميون قادمون

حجم الخط

لقد انتشر بعد بداية الثورات عنوان «الإسلاميون قادمون» في المحافل الإعلامية والسياسية والاجتماعية، ولم يكن انتشاره ممن عملوا على تسويقه من باب الفخر أو الزهو بما حققه الإسلاميون من نتائج فاقت كل التوقعات في جميع الدول التي تحررت واستلم الشعب فيها مقاليد الحكم، بل كان انتشار ذلك الشعار من باب التحذير والتحشييد ضد الإسلام وتسلُّم الإسلاميين للسلطة، بل استخدم بعض المغرضون لفظة «الإسلامويون» على وزن طفيليون لتصويرهم وكأنّهم غرباء سوقة انقضّوا على الحكم وليسوا أصلاء في الإصلاح الاجتماعي والسياسي، وقد أتوا بقرار وخيار شعبي فضّلهم على غيرهم. 

 

ولزعزعة النجاح الإسلامي أثير كذلك مفهوم الدولة المدنية وقُدّم على أنّه البديل العصري والحضاري للحكم الإسلامي، وكأنّ الرسالة ما بين السطور تتهم الإسلام بعدم المدنية أو الهمجية والفوضوية، وقُدِّم الإسلام على أنّه دين تعبدي يمارس في دور العبادة دون أن يكون له أثر على واقع حياة الناس، واستحدثنا شعارات علمانية عربية بدل دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر، فبدا الشعار في النسخة العلمانية العربية «الدين لله والوطن للجميع».

 

ومن ثم زاد الخلط في تقديم المفاهيم المتصلة بالدولة، فصرنا نسمع بالدولة المدنية التي قُدِّمت لنا مرتبطة بالعلمانية مع أنّ معنى المدنية والعلمانية مختلفان تماما، فالمدنية من التمدن والحضارة، وزاد الخلط مع وجود مفهوم آخر هو الدولة الدينية (دولة رجال الدين) أو الثيوقراطية التي اتُّهم الإسلام بمحاولة إقامتها، وأصبحت إسقاطات التجربة السيئة الأوروبية في الحكم الديني، بالرغم من اختلافها مع الحكم الإسلامي الذي ليس فيه كهنوت أو سلطة دينية تحكم بأمر الله، حكما ودلالة على ما سيؤول إليه الوضع في الدول العربية فيما لو أصبحت الشريعة مصدرا للتشريعات!

 

ليس من باب الفخر الأجوف إن قلنا أنّ الإسلام كمنهج دين ودنيا سبق غيره في استحداث وترسيخ معاني الديمقراطية التي يباهي بها الغرب الآن، ويضربنا بسوط الاحتلال تارة وبسوط الضغوط الدولية والمساعدات تارة، وبسوط التشويه تارة أخرى حتى نستقيم على نهجه، فدولة المدينة لم تكن تحمل هذا الاسم قبل نشوء الدولة الإسلامية، بل كان اسمها يثرب، واختيار الاسم من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم كان اختيارا لمضمون المدنية كذلك ودولة المؤسسات والقانون والشورى، وحسبما تقول الباحثة سخاء المجالي فالدولة الإسلامية هي دولة المواطنة وهي ليست دولة الأتقياء والمؤمنين فحسب، بل دولة كل من يخضع لنظام الدولة وقانونها، فالتجانس في الدولة الإسلامية مطلوب، ولكن التماثل مرفوض لأنّه قد يؤدي إلى تفسُّخ المجتمع بالذات إذا كان إدراك حالة التماثل غصبا وقصرا وليس بالرضا والتوافق، وفي ذلك يقول الأصمعي «لا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا». ليس من باب الفخر الأجوف أن نقول أنّ المسلمين عرفوا المدينة الفاضلة (اليوتوبيا) التي كانت تنصر الضعيف على القوي وتأخذ للفقير من الغني، بينما كانت أوروبا مجتمعا طبقيا يجزّ أعناق من يخالف رجال الدين في العلم أو السياسية أو الطائفة الدينية.

 

بل وقد سبقنا الثورة الفرنسية التي يظن أنّها غيّرت وجه أوروبا في التوجه نحو الدولة المدنية، فكان عندنا عقدنا الاجتماعي في المدينة (وثيقة المدينة)، قرونا قبل روسو وعقده الاجتماعي، والتي حددت حقوق وواجبات المسلمين وغيرهم من المواطنين، فلا غرو إذن أننا ما زلنا نتوق إلى تجربة الحكم الراشد ونراه قادرا أن يصلح حاضرنا كما أصلح ماضينا.

 

نعم الإسلاميون قادمون، بعد سنوات من التعذيب والتضييق والمصادرة، لم تفت في عضدهم ولم تغيّر قناعات الشعوب فيهم، ولكنهم ليسوا قادمين بالحديد والنار كما يروّج كذبا غلاة العلمانية، فهذه سياسة وأسلوب من نحّوا الدين جانبا من الحكام الذين خبرتهم الشعوب إلى أن أسقطوهم، إنّما هم قادمون بالرحمة والتدرج والتحديث المتناسب مع الشريعة، قادمون بخفض الجناح والنفس الطويل حتى مع المخالفين حتى يسير ركب الوطن إلى أمان العدالة والإزدهار.

 

أيّها العلمانيين والمغرضين، لم تعد الفزاعة والتخويف يجديان نفعا، والأفضل أن تصرفوا جهودكم وحبر أقلامكم وأصواتكم فيما يخدم ويبني الوطن.