الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 07:24 م

مقالات وآراء

الكبير يرى الوطن وغيره يرى الحزب!!

حجم الخط

لست أدري لماذا يقف بعض الفلسطينيين موقفًا متشنجًا من جولة رئيس الوزراء الفلسطيني المنتخب إسماعيل هنية والوفد المرافق له لبعض العواصم العربية والإسلامية؟! زيارة إسماعيل هنية ليست زيارة حزبية لخدمة قضايا حزبية تخصّ حركة حماس، حاشا وكلا أن نستحضر الحزبية الضيقة ونحن نطوف بالعواصم العربية لجلب التأييد الرسمي والشعبي لفلسطين، كل فلسطين.

 

الحالة الحزبية قد تحضر بشكل أو بآخر في داخل فلسطين في النقاشات الداخلية، وفي المنافسات الحزبية والحركية. قد نختلف مع فتح، وقد نختلف مع اليسار الفلسطيني، وقد نعيش حالة من المشاريع السياسية المتعددة والمتباينة نسبيًا بحكم طبقية القضية الفلسطينية المعقدة، وهذه حالة لا يمكن القفز عنها ونحن نعالج همومنا داخليًا وفلسطينيًا، ولكننا لا نستصحب هذه الحالة الحزبية، ولا ينبغي لأحد أن يستصحبها معه عند زيارة العواصم العربية لجلب تأييد قادتها وشعوبها إلى مواقف الشعب الفلسطيني وكفاحه وجهاده من أجل الحرية وتقرير المصير.

 

فلسطين أكبر من الأحزاب، وفلسطين الوطن والشعب والجغرافيا والدين والقدس تسكن قلب كل عربي ومسلم وحرّ في العالم، وهذا ما لمسناه في مصر الكنانة، وفي تركيا الحضارة الممتدة، وفي تونس الخضراء تونس الثورة وسلطة القانون، وفي سودان الرباط والمصابرة. ولا يعقل أن تُصغّر حماس من نفسها ومن دورها الوطني والقومي بالانشغال بقضايا حزبية تخص حماس أو حتى تخص غزة كجزء من فلسطين التاريخية.

 

كان رئيس الوزراء إسماعيل هنية كبيرًا في لقاءاته واجتماعاته وطرحه للقضايا واستماعه للآخرين، وكانت فلسطين والقدس والحصار وإعمار غزة، والمصلحة هي القضايا الحاضرة دومًا في أجندته. لا أقول إن حماس والحكومة في غزة لم تكونا حاضرتين ولكنهما لم تحتلا المرتبة الأولى أو الرئيسة، فقد سبقتهما فلسطين الوطن والشعب، وسبقتها أيضًا الرؤية الاستراتيجية لإحياء العمق العربي والإسلامي لدعم فلسطين في خطواتها نحو التحرير وتقرير المصير والقدس.

 

الذين يشاغبون على الجولة واللقاءات الرسمية والشعبية أيضًا، هم الذين ينظرون من زاوية حزبية ضيقة، هم الذين قدموا الحزب على الوطن الفلسطيني والشعب تاريخيًا، وهؤلاء هم الذين وقفوا متفرجين على غزة وهي تحت الحصار أو وهي تقاوم العدوان في الحرب الأخيرة. هؤلاء هم الذين عاقبهم الشعب الفلسطيني في صندوق الانتخابات في عام 2006، وسيعاقبهم لا محالة في الانتخابات القادمة، لأن أجندة الناخب والشعب تبدأ بالوطن والقدس ولا تبدأ بالحزب، فالأحزاب تكونت لتخدم الوطن، وحين تنحرف البوصلة يصبح الوطن خادمًا للأحزاب، ولكن الناخب والوطن يرفضان هذه المعادلة المعكوسة والمنحرفة، وهذا جوهر ما حدث في الثورة التونسية والمصرية والليبية حين رفضت الجماهير التوريث واعتقال الوطن والشعب لخدمة الأسرة الحاكمة، وأعلنت عن حاكم جديد يخدم الوطن والشعب ويخدم القانون ويصونه، وبهذا تتماهى فلسطين من خلال زيارة هنية ومرافقيه مع الثورة الجديدة في تونس والقاهرة، وتتماهى مع التجربة الديمقراطية التركية وتفعيل الحزب وأنشطته لخدمة الدولة والوطن والشعب.