الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 04:30 م

مقالات وآراء

د. عصام العريان

مسئول المكتب السياسي لجماعة الاخوان المسلمين بمصر
عدد مقالات الكاتب [52 ]

بناء نظام ديمقراطي لمصر

حجم الخط

 حلم قديم يتجدد مع كل حقبة في تاريخ مصر، أن يكون المصريون هم أصحاب السيادة في وطنهم، وأن تكون مصر وطناً للجميع على قدم المساواة، وأن تصبح عوائد الخير والاستثمار في مصر ملكاً لكل المصريين، فتسود قيم العدالة الاجتماعية، والحرية والمساواة، والكرامة الإنسانية وترفرف على ربوع الوطن.

 

 هذا الحلم حُرمنا منه طويلا لأسباب عديدة، منها تسلُّط الأجنبي على حكم مصر، وتفرُّد الإقطاعيين وكبار الملاك بثروة مصر الزراعية، والاحتلال العسكري لسنوات طويلة، وانفراد النخبة العليا بإدارة شؤون الوطن في حماية القصر الملكي والاحتلال العسكري الإنجليزي، ثم كانت نهاية المطاف بحكم عسكري في ثوب مدني لعقود طويلة في ظل جمهورية لا تعرف الانتخابات الحرة ولا البرلمان المعبّر عن الإرادة الشعبية، وفي سنواتها الأخيرة عرفت انعدام العدالة الاجتماعية وتفشّي الفقر الرهيب.

 

 كانت نتائج ذلك التاريخ كله المزيد من التبعية للوطن كله لسياسات خارجية، وانتشار الأمية والجهل لتصل إلى نسبة عالية تزيد على 40 في المئة، وتفشّي الفقر إلى مستويات غير معقولة في بلد يتمتع فيه أقلية بحياة رغدة في منتجعات خاصة بأموال من بنوك الشعب، وتفكيك المصانع التي شيدها الشعب على مدار سنوات لصالح تلك الأقلية، انهيار منظومة القيم الاجتماعية التي عاش في ظلها المصريون لسنوات طويلة، مع تدني رهيب في المرافق والخدمات الأساسية في التعليم والصحة والنقل والمواصلات التي تقدمها الدولة لصالح القطاع الخاص الذي يبحث عن الربح ولو على حساب كل القيم الأساسية بلا توازن بين ما يجب أن تقوم به الدولة كراعية لكل المواطنين وما يمكن أن يساهم به القطاع الخاص في تلك المرافق والخدمات.

 

 كانت الثورة هي النتيجة الطبيعية لكل ذلك الحصاد المر، وكان شعار الثورة هو الحرية، الكرامة الإنسانية، العدالة الاجتماعية، وأصبح الطريق لتحقيق ذلك الشعار على الأرض هو بناء نظام ديمقراطي لمصر.

 معالم هذا النظام الديمقراطي معروفة ولن نخترعها نحن كمصريين. أهم تلك المعالم هي: أنّ السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات جميعاً، هو الذي يختار بحرية من يحكمه، وهو الذي يراقب حكامه، وهو الذي يحاسبهم بالطرق الديمقراطية، وهو الذي يعزلهم إن أراد عبر صناديق الانتخابات الدورية.

 

 لماذا كان طريق تحقيق أهداف الشعب في ثورته هو بناء النظام الديمقراطي؟

 ببساطة لأن هذا هو الطريق الأسلم والأوفق للتعبير عن إرادة الشعب. ففي خيال كل إنسان مصري أنّه قادر على تحقيق آمال الشعب، وفي تصور كل قوة مجتمعية أنّها يمكنها توفير مطالب الشعب.

 

 لذلك كان من الضروري أن تنتظم هذه القوى المجتمعية، وهؤلاء الأفراد في منظمات سياسية هي الأحزاب لتعرض برامجها على الشعب ويختار الشعب من بينها من يقدر على تحمل المسؤولية لفترة زمنية محددة، ثم يتم اختبار هذا الحزب أو تلك الأحزاب لوضع برامجها موضع التنفيذ، وعند نجاحها فى تحقيق تلك البرامج وتلبية مطالب الشعب يعيد الشعب ثقته بها في أول انتخابات دورية، وإذا فشلت يحجب الشعب ثقته ويولي غيرها أو يقتنع بأدائها ويعطيها فرصة أخرى لاستكمال برنامجها ومواجهة العقبات التي صادفتها.

 هذا الشعب صاحب السيادة إذا يمارس سيادته من خلال مؤسسات الدولة وليس من خارج تلك المؤسسات.

 لذلك كانت أول خطوة في بناء النظام الديمقراطي القادر على تلبية المطالب الشعبية وتحقيق الآمال الوطنية هي بناء المؤسسات الديمقراطية.

 

 أهم تلك المؤسسات الدستورية هي البرلمان أو مجلس الشعب، وقد يتكوّن من مجلسين للشعب والشورى كما هو الحال في مصر الآن.

 وها نحن مع العيد الأول للثورة المصرية العظيمة شارفنا على بناء تلك المؤسسة الأهم والأخطر في أي دولة ديمقراطية، وفي طريقنا إلى استكمال بناء مجلس الشورى خلال شهر ونصف تقريباً، وبذلك يكتمل بناء البرلمان.

 

 تأتى الخطوة التالية، وهي انتخاب «الجمعية التأسيسية لوضع الدستور الجديد».

 وهذا الدستور سيكون بالتوافق الوطني العام، ولا بد أن يعبّر عن الإرادة الشعبية التي ظهرت في الانتخابات، وبذلك سينعكس فى المئة عضو الذين سيقومون بالمناقشات والمداولات قبل صياغة مواد الدستور الجديد.

 

 أهم ما يجب أن ينجزه الدستور هو طبيعة النظام السياسي، وفي الغالب فإنّ الأكثرية متفقة على النظام المختلط، الذي يجمع بين اختصاصات محددة للرئيس وأخرى أوسع للحكومة والبرلمان، وأنّ الجيش لا يتدخل في النظام السياسي ولا دور له في إدارة شؤون البلاد مع احتفاظه بخصوصية تتعلّق بشؤونه الخاصة فقط في أمور الميزانية والتسليح، كما هو شريك فى قرارات الحرب والسلام مع المؤسسات الدستورية الأخرى، ولا تنفرد جهة واحدة بمثل ذلك القرار.

 

 لذلك كان من الأهمية بمكان أن يتم وضع الدستور الجديد دون أيّ ضغوط على الإرادة الشعبية وفي مناخ هادئ يعكس التوافق الوطني العام وليس فقط الأغلبية الشعبية في البرلمان.

 

 ولقد كان الجدول الزمني المحدد هو الأكثر توفيقا كي تظهر إرادة الشعب، ويمارس الشعب سيادته من خلال مؤسسات منتخبة وليس بقرارات علوية أو تأثير النخب أو القوة العسكرية.

 

 ومن هنا فإنّ التزامن بين انتخاب الجمعية التأسيسية لوضع الدستور مع انتخاب رئيس الجمهورية المدني سيكون أفضل الخيارات كي يتم وضع الدستور خلال شهور دون ضغوط من هنا أو هناك.

 

 وسيمارس الرئيس المنتخب ما تبقّى من صلاحيات المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد حصول البرلمان على اختصاصاته كاملة في التشريع والرقابة ورسم السياسات العامة وإقرار الميزانية العامة للدولة.

 

 سيؤكد هذا النظام الديمقراطي في الدستور الجديد على طبيعة الدولة المصرية الوطنية الديمقراطية الدستورية الحديثة، دولة كل المواطنين، دولة الحق والعدل والقانون، دولة القضاء المستقل.

 

 وسيؤكد الدستور على المرجعية الإسلامية لتلك الدولة، دينها الإسلام، ولغتها العربية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.

 

 سيؤكّد الدستور على أنّ مصر تنتمي إلى الأمة العربية وتسعى لوحدتها، والتقريب بين الشعوب الإسلامية.

 سيحمي الدستور الجديد الحريات الشخصية والحريات العامة والقيم والمقومات الأساسية للمجتمع المصري.

 سيكون الرئيس الجديد أجيراً عند الشعب ووكيلا عنه لتحقيق مصالحه العليا وليس فرعونا جديداً.

 

 سيعمل الجميع بتعاون كامل لتحقيق الأمن والأمان لكل المصريين ومحاربة الفساد واستعادة دور جديد للشرطة لحماية المواطن والحفاظ على حقوقه في منهجية جديدة تحقق المصالحة بين الشرطة والشعب.

 

 سيعمل الجميع على بناء مجتمع متماسك يحمي وحدته الوطنية، الكل فيه شركاء يعيشون في ظل البر والقسط والإحسان والسلام، مجتمع متكافل لا تزداد فيه الفوارق بين الطبقات ولا يعيش البعض فيه داخل مناطق مغلقة أو كانتونات.

 

 سننطلق جميعاً خلال ذلك كله وبالتوازي معه لدوران عجلة الاقتصاد والإنتاج لمكافحة الفقر والجهل والمرض والأمية وعلاج عجز الموازنة وتشجيع الاستثمار وتحفيز السياحة وإدارة المصانع المعطلة.

 

 سنبني معاً المرافق الجديدة في التعليم والصحة والنقل والمواصلات والصرف الصحى وتوصيل الغاز للمناطق المحرومة وتوفير كوب ماء نظيف ورغيف خبز جيد.

 

 لأنّ النظام الديمقراطي الجديد هدفه ليس مجرد توفير الحريات العامة والخاصة وبناء الدستور والمؤسسات الدستورية، بل هدفه الحقيقي هو أهداف الثورة في الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.