السبت 24 يناير 2026 الساعة 08:36 ص

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

يا أهل الأردن

حجم الخط

1- مدخل

كلّمني أخ عزيز من طلابنا في وزارة الأوقاف بتكليفي بخطبة الجمعة الأخيرة من سنة 2011، فكانت هذه الكلمات، كتبتها بانفعال شديد، وألقيت بانفعال أشد، فما مرّ بنا ليس بالأمر العادي ولا السهل، بل يقتضينا مراجعة شاملة، وإصلاح الخلل في منابته ومنابعه، وألاّ نترك الخلل والداء يستفحل حتى يستعصي على العلاج.

 

باختصار هذه كلمات مما قيل في الخطبة المعنية، أحببت أن يشاركنا فيها قراء السبيل!

 

2- "يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافَّة".

 

في ظلال هذه الآية الكريمة نعيش هذه الدقائق واللحظات من يوم الجمعة الأخير في سنة 2011، نودّع فيه سنة ونستعد لاستقبال سنة، ونناقش أنفسنا الحساب، نحاسبها قبل أن تحاسب. أين أصبنا، وأين أخفقنا، مثلنا مثل التاجر الناصح لنفسه وتجارته، والحياة تجارة: "يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة.."، والدنيا سوق نصبت ربح فيها من ربح وخسر من خسر، جعلنا الله وإياكم من الرابحين المفلحين الفائزين، في هذه الدنيا ويوم الدين. وكما قال سيد الخلق: "كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها"، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وقد قال عليه الصلاة والسلام لصهيب: "ربح البيع أبا يحيى".

 

هذه الآية من سورة البقرة، وهي السورة التي تحدّثت عن تشكيل الأمة المسلمة الوسط، والسورة كلها في مواصفات هذه الأمة، وتربية هذه الأمة من أول آية إلى آخر آية.

 

سورة البقرة سورة إعداد الأمة المتميزة الخيرة الوسط، ومن أهم سماتها ما حدّثتنا عنه هذه الآية، وليست الآية تتحدّث عن السلام مع الأعداء، إنّها تتحدّث عن السلم الاجتماعي الذي بدونه كل بناء هباء، وإذا كانت دولنا عقدت سلاماً مع الأعداء، أفليس الأحرى بنا عقد هذا السلام مع الأشقاء والأحباء والأولياء؟

 

والآية أيّها الأحباب فهمناها على أنّها مسالمة الأعداء، لقد ذهبنا بعيداً أو شطحنا كثيراً، إنّ الآية أولاً في السلم الاجتماعي، فهي تخاطب المسلمين كافة أن يدخلوا في السلم كافة، فيسلم المجتمع من ألسنتهم وأيديهم وخواطرهم وظنونهم وإشاعاتهم ومن أعينهم ومن أرجلهم، ومن غيبتهم لهم أو تجسسهم عليهم، فكل ذلك حرام على كل مسلم.

 

ونهتهم الآية عن اتباع خطوات الشيطان، وخطوات الشيطان هي اتباع الشهوات، واتباع العصبيات، والتخلي عن الوحدة، والسير في سبل التفريق والتمزيق والتشتيت.

 

الأخوةَ، الأخوةَ، والحب في الله ثمرة هذه الأخوة هما أوثق عرى الإيمان فلا تنقضوا أوثق العرى. "يا أيّها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنّه لكم عدو مبين" 208.

 

3- أول أعمال رسول الله في المدينة المؤاخاة، وآخر عهدنا به حجة الوداع الوصيَّة على الأخوة بالله.

 

فكأنّ الأخوة أهم قضية في هذا الدين وهي بالطبع كذلك. يفارق الدنيا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وآخر كلماته في الجمع المبارك في عرفة في حجة الوداع: "يا أيّها الناس، إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد".

 

4- صفات المؤمنين.

 

• "أشدّاء على الكفار رحماء بينهم".

 

• "أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين".

 

• "والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم".

 

• "إنّما المؤمنون أخوة".

 

• "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر".

 

• "إنّما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون".

 

• "والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا إنّك رؤوف رحيم".

 

• "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".

 

• "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله".

 

• "كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله".

 

• "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

 

والنصوص من الكتاب والسنة أكثر من أن نستحضرها في هذا المقام.

 

5- يا أهل الأردن!

 

أناديكم، لا بل لا أناديكم، لأنّه إنّما يُنادَى البعيد، وأنتم، بعد الله ورسوله، أقرب قريب.

 

إذاً يا أهل الأردن أناجيكم، مناجاة روح لروح، وقلب لقلب، وعقل لعقل، ووجدان لوجدان، ونفس لنفس.

 

يا بلداً تشرّفت تربته برسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ عرج على بعض مناطقها في غزوة تبوك، وضم ثراه رفات الآلاف من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أقصى الأردن إلى أقصاه، فما من بقعة إلاّ وخطا عليها صحابي.

 

يا أيها الأحباب، يا أهل بلد وصل خيره إلى كل بلد عربي، فمعلموكم علّموا ونوّروا جل بلاد العرب، معلمونا علّموا في المغرب، ليبيا، السودان، العراق، السعودية، عُمان، الإمارات، قطر، البحرين والكويت.

 

أكتب بعض الكلمات التي سأخاطبكم بها، ولا أتمالك نفسي، شهد الله، فتغالبني عبراتي تسابق كلماتي.

 

قلت قبل قرابة ربع قرن عندما حدثت مشكلة في الجامعة، قلت ما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم للأنصار: "يا أهل الأردن، المحيا محياكم والممات مماتكم والله لو سلك الناس فجاً، وسلك الأردن وأهل الأردن فجاً لسلكنا، في الخير والهدى إن شاء الله، فج الأردن".

 

والله لا نمن عليكم إذ نقول: ما عملت قط ولن أعمل إلاّ في الأردن، ووالله لقد عرض عليّ خمسة أضعاف الراتب خارجه، فما قبلت لشدة ارتباطي بالأردن، ووالله نحنّ إلى عمان حنين الوالد إلى الولد، أو الولد إلى حضن أمه.

 

6- لا تتحوّلوا إلى ما حدّثنا عنه المرحوم سعد جمعة في: "مجتمع الكراهية".

 

ليت الناس كلّها عرفت سعد جمعة، واستمعت إلى محاضرات سعد جمعة، وقرأت كلمات سعد جمعة.

 

هذا الذي ما سمعته في محاضرة إلاّ وبلل منديله من دموعه حرقة وألماً وبكاء على واقع الأمة، حتى قلتُ: هذا رجل لا يعمّر طويلاً لأنّه يتكلّم من كبد محروق.

 

حذّرنا من مجتمع الكراهية، ومن عفن الكراهية، ومن ظلمة الكراهية. وهل أجمل من محبة بعضنا؟

 

وهل أوثق في الرابطة من الحب في الله والأخوة في الله؟ وهل قربة عند الله أقرب من القرب في الله، وهل عند الله عمل أعظم ثواباً وأجراً من المحبة في الله؟

 

ثقافة البغضاء مدمرة وثقافة الإخاء معمرة مصلحة هادية مثمرة بانية رافعة معلية. فحذار حذار من ثقافة العداء والبغضاء والكراهية والأحقاد والغضب والتوتر الاجتماعي والعصبيات! لقد أذهب الله عنّا عصبية الجاهلية.

 

يا أيّها الأحباب، لولا حب المهاجرين والأنصار لبعضهم كما شهد الله ما صنع التاريخ ولا أصبحت يثرب: "المدينة المنورة" التي تدير العالم.

 

والأردن بالحب كبير وبالإخاء رائد هاد قائد! تكبر البلدان بالحب وتصغر بالكراهية، فهل تريدون بلدكم كبيراً؟ كيف تريدون صورة الأردن في العالم؟ أسأل ضمائركم يا من تحبون الأردن!

 

7- الأردن بلد الأنصار الذي استقبل كل أنواع المهاجرين.

 

ما أشبه الأردن بباقة الورد التي تضم كل الألوان وكل الأنواع، وقد استقبل المهاجرين منذ قرن كامل، وأول الهجرات كانت هجرة إخواننا الأعزاء من بلاد القفقاس الذين كانوا نواة عمّان. وبعد الشركس والشيشان جاءت هجرات أهل اليمن والحجاز ومصر وجاءنا من تركيا وقبرص، ومن أرمينيا، ومن الداغستان ومن باكستان، ومن إيران، ومن بخارى، ومن الهند، ومن سوريا ولبنان وفلسطين.

 

لقد استوعب هذا البلد كل هذا التشكيل الرائع فازداد بهاء على بهاء، وجمالاً على جمال، وقوة على قوة. لقد مثّل الوحدة في التنوع والتنوع في الوحدة.

 

أيّها الأحباب المهاجرين والأنصار صنعت أمة وغيّرت مجرى التاريخ، ووحدة عناصر تكوين الأردن ستعيد صناعة التاريخ إن شاء الله.

 

أيّها الأعزاء، أهم عبرة مما حدث ألاّ يتكرر ما حدث! سلام عليكم وسلام على الأردن!