الأحد 01 فبراير 2026 الساعة 05:04 م

مقالات وآراء

هل من نهضة جديدة؟

حجم الخط

القتل في القاهرة ودمشق، وبزوغ شمس الديمقراطية السلفية في الإسكندرية، وملامح الصراع المذهبي في بلاد الشام، وصعود قوى إسلامية في العالم العربي… كل ذلك يعني حركة في المجتمع، لكن يعني أيضاً أن المستقبل مجهول، فقد ينتهي بخير عميم، وقد ندخل قرناً جديداً من الظلامية فنترحم على عصر مبارك.

 

إن دخول عصر التنوير شيء مختلف تماماً، ودخول أوروبا في القرن السابع عشر إلى الحداثة التي نتمتع بها اليوم تم حين تحول تيار فكري من مئات الفلاسفة إلى تطبيق ميداني، فانفجرت الثورة الفرنسية على أنغام ديدرو وفولتير وديكارت، وقامت الثورة الصناعية في ألمانيا بقوة هيجل وفيخته ونيتشه.

 

أما في العالم العربي فمازال بيننا وبين الحداثة سد يأجوج ومأجوج، فحين أتأمل أوضاع العالم العربي المتشابهة، وأرى ملامح الصراع المذهبي أرى لكأننا ندخل في عصر ظلامي مقبل.

 

الحداثة شيء هائل أكبر من الكلمات والمصطلحات. لكن في الوطن العربي اليوم المواطن بدون ثقافة، والمثقف بدون تيار، والسياسي بدون جماهير.

 

الطاقة لها ثلاث معادلات: الإهمال أو التنظيم أو الانفجار. وترشيد الطاقة يقود إلى إضاءة المدن وكهرباء السدود والزواج السعيد ونضج الأمة. الجماهير بدون ثقافة ترشدها سياسياً هي أشبه ما تكون بالطاقة العمياء، ولن تزيل العماء عنها إلا حين تتعلم التعبير، وتقرأ حقها الدستوري، أي حين تستطيع تنظيم مظاهرة سلمية بدون تدمير المرافق العامة.

 

سياسة بدون قوة الجماهير تشبه منظر الكاريكاتير، عندما تختل النسب في خريطة الرسم، بين رأس كالكرة العملاقة وأيادي وأقدام مثل عيدان الكبريت. وعندما تواجه هذه الكتلة المدورة منزلقاً خطيراً تهوي إلى القرار السحيق تحت ثقلها الخاص، لا يوقفها إلا قانون العطالة الذاتية في برمجة لا تنتهي للكوارث.

 

ومن يدخل المعاصرة يجب أن يودع عصر البيعة للخلفاء العباسيين، فلا يمكن بناء أنظمة حديثة على منوال قديم. جدلية المثقف والسياسي أن هذا الأخير مستباح الدم كهدف ممتاز، في حين أن المثقف يختبئ في الظلمات مثل الزوايا الميتة في مرايا السيارات.

 

لم يكن عبثاً أن لعن القرآن المثقف الأخرس بألفاظ لا تقبل التأويل، عندما يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً، أو يمارس السحر فيلتف على الواقع بالكلمات، فيكسب القاموس لفظة ويخسر الواقع حقيقة.

 

الحداثة التي نعيشها اليوم تأسست مع عصر كوبرنيكوس عندما انقلب التصور لحقيقة الكون، فلم يكن هناك شيء أوضح من حركة الشمس، لكن تبين أن نظرة الناس والكنيسة إليها لا تزيد عن وهم راكب القطار عندما يظن أن الأشياء متحركة في الاتجاه المعاكس!

 

ونحن أمة يخيل إليها أن في الأصنام حياة، وأن العصي تتسربل بجلود الحيات. لذلك فنحن اليوم بحاجة إلى نظرية كوبرنيكوس اجتماعية تقلب هذه المفاهيم، لنعرف منها أن القائد قمر يطوف بشمس المجتمع، وأن المرض ينشأ من انهيار جهاز المناعة الداخلي، وأننا بحاجة إلى رياضيات اجتماعية جديدة.

 

المثقف ملح المجتمع ونوره، لكن إذا فسد الملح فبماذا يُملّح، وإذا انطفأ السراج فمن يوقد؟ هكذا جاء في الإنجيل مسطوراً.