1- خطر الإعلام
قلنا مراراً أنّ أخطر ما في الدنيا، هذه الأيام، وسائل الإعلام. هي في الاقتصاد خطيرة، وفي السياسة وفي ميدان الاجتماع، لكنها في الحروب أخطر شيء، فنصف المعركة وأكثر وسائل الإعلام وحملات الإعلام.
وخطورة وسائل الإعلام ليست وليدة هذا العصر، فقد كان الشاعر وسيلة إعلام الأعصر الخوالي، ومن لا شاعر له من القبائل ضاع حقه وهضم وتطاول عليه السفهاء، فكأنّ القبيلة دولة بلا تلفزيون. لكن وسائل الإعلام في هذه الأيام أصبحت خطورتها بلا حدود، وكلكم يذكر كيف شنّت أمريكا على العراق حملة ضخمة، أسهم فيها العرب بنصيب طيب، جزاهم الله (..)، ثم جرى تضخيم قوة العراق، فمرة هو القوة الرابعة في العالم، ومرة لا أدري ما ترتيبها، وهم يعلمون قوته الحقيقية، وقد جنّدوا من خونة الداخل ما جعل بنيان العراق مكشوفاً مخلخلاً واهناً واهياً. ولماذا لا يضخمون اليوم قوة إيران؟ إنّه السلاح الإعلامي المزدوج، تضخم من لا قوة عنده، حتى إذا كسرتَه بدوتَ عظيماً فتوة زمانك، لكن لا تضخم من عنده قوة حقيقية مثل إيران، لئلا ترفع من معنويات جنودها. أعلم أنّ عوامل التفكك في إيران موجودة، مثل التي في العراق، لكنها تملك من التكنولوجيا ما لم يكن متوفراً للعراق، وإن كان الجندي العراقي أكفأ من نظيره الإيراني.
والإعلام السوري يحاول جاهداً بل مستميتاً أن يواري سوأة نظام كلّه سوأة، ويبرر كل هذا الإجرام والعنف وشلال الدماء، وجنّد لذلك أصواتاً ووجوهاً وأقلاماً وكتبة وجيش مرتزقة، وبثينة شعبان والبلدوزر شارون المسمى وليد المعلم!
2- مؤتمرات المعلم
أصيب المعلم بإسهال في المؤتمرات من تناول الوجبات الإعلامية الزفرة المسمومة التي يداوم عليها، وهي كلها (جنك فاست فود)! فما أن ينتهي من مؤتمر حتى يعقد مؤتمراً غيره، وقد أحسن من عيّنه، فعلاً إنّه معلم وابن صنعة في الكذب والتلفيق والتزوير والتهريج، ويتّسم بهدوء يحسد عليه، مما يوهمك بثقة، وهو في داخله موقن أشد اليقين أنّه أكذب الكاذبين، لكنّه ممثل ممتاز، لو ترك السياسة واشتغل في السينما لكان مناسباً مع وسامته ولياقته! وقد سمّاه الحاسدون: شارون العرب، والضفدع العجوز! فشر! بل هو من شبّيحة الإعلام والأفلام والأقلام.
في مؤتمره جملة مغالطات لا يتّسع المقام لمتابعتها ولا تتبعها واحداً واحداً، ولكن يكفي الإشارة إلى ما نشره من فيلم لمن زعم أنّهم أصوليون متسللون متسلفون مندسون، ليخزيه الله بأن تكون الصور نشرها شباب لأنفسهم عن أنفسهم في شبكة المعلومات العنكبوتية وهي صور لهم يدافعون عن أنفسهم وأهلهم ضد عدوان بعض الطوائف المرتبطة بسوريا وإيران في منطقة طرابلس لبنان، (منطقة بعل محسن)، والصور منشورة منذ سنة 2008 فقط! وقالوا أنّهم سيقاضون المعلم على هذا الكذب المكشوف المفضوح. ويبدو أنّ النظام يحرص على حرق المعلم حتى لا يخرج من المواجهة الانتحارية، ويظل مع النظام إلى الفناء القريب إن شاء الله.
وقد أحسن عيسى الشعيبي في مقاله: "قم للمعلم واقعد للجنرال" (عبارته مع الجنرال) حين قارن بين كذبتين للأول وللثاني، وبينما اعتذر الثاني عن كذبته يستحيل على الأول أن يعتذر لأنّه سيدفع رقبته (التخينة) ثمناً لهذا من المعلم الكبير! ذو الرقبة الطويلة. والحمد لله الذي جعل رقابهما علامات فارقة، حتى يحين الوقت لمفارقتها المشهد، ويصبح اسم وليد المعلم..الوليد الفقيد!
3- الإعلام السوري يحذّر من الإسلام السياسي
حذّر الإعلام السوري من الإسلام السياسي القادم والزاحف على المنطقة وأنّه سيفتت العالم العربي، وأنّ القومية هي الحل.
وهذا كلام رخيص لا يحتاج إلى رد وتفنيد، فأولاً سوريا حاضنة حزب الله، أو ليس حزب الله من منظمات الإسلام السياسي؟ وسوريا تابعة لإيران ولا أقول حليفة، وإيران دولة ملالي، وهي تمثّل الإسلام السياسي غير السوي، ولا المستقيم، فهل تناقض سوريا نفسها وتناقض مقولات إعلامها؟ وسوريا كانت داعمة خط المصالحة بين الاتجاه القومي والاتجاه الإسلامي فما عدا مما بدا؟ ما الذي تغيّر؟
ثم من الذي وقف إلى جانب أمريكا في حربها على العراق؟ أليس البعث العربي السوري الاشتراكي القومي التقدمي الطلائعي؟ فأين مقولة القومية هي الحل؟ ثم يخوّفنا إعلام النظام السوري من تفتيت العالم العربي، فماذا صنعتم أنتم في هذا العالم العربي؟ ألم تفتتوه؟ ألم تفتت أنت بلدك سوريا؟ أليس حرصك على مكاسبك أشد مليون مرة من حرصك على بلدك وشعبك؟ هل قتل الشعب لصالح الشعب؟ أم أنّ قتل الشعب لصالح استمرار الحلب والنهب والسلب والغصب؟
إنّ ما كان فيه الأسد من مكانة في السنوات الخالية ما هو إلاّ ثمرة موقفه من الإسلام السياسي المتقبّل له في الظاهر، ولم نكن نعلم أنّها مرحلة، وأنّه مجرد تظاهر، وأنّه أيّ النظام يبدون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ويظهرون ما لا يبطنون على مبدأ التقية التي يتقنون، فلمّا جاء أوان الانكشاف والمكاشفة أزاحوا القناع عن الوجوه الكالحة وحقيقة الشيطان بانت سافرة، وأنّه هذا هو النظام على حقيقته، لا غيّر ولا بدّل، ولكنّه تجميل وتحايل وخداع ليس غير.
4- زينب الحصني..نموذجاً
أشهد أنّ الإعلام السوري ليس هيناً ولا سهلاً، أشهد أنّه خريج مدرسة الشياطين، ثم غدوا هم وإعلامهم أساتذة للشيطان نفسه!
وزينب الحصني، يرحمها الله، لمن نسي، هي البنت الطاهرة من حمص، ذات التسعة عشر ربيعاً، التي ذهبت أمها وأبوها إلى المستشفى العسكري لاستلام جثة أخيها محمد من مشرحة المستشفى، وإذ بمأمور ثلاجة المشفى يقول لهم: إنّ عندنا فتاة من آل الحصني، انظروها فقد تكون تخصكم، وتكون المفاجأة أنّها بنتهم! ذهبوا لاستلام جثة فرجعوا باثنتين. إلى هنا والأمر في سوريا معهود، لكن الجرم المشهود لم يتوقف عند هذا الحد من الإجرام، بل تجاوزه إلى أمام، فبعد أيام ظهرت بنت على التلفزيون الرسمي تشبه زينب الحصني إلى حد بعيد (أقدّر أنّها بنسبة 80 في المئة أو أكثر من حيث الشبه) لتقول: أنا زينب الحصني، هربت من أهلي، ولم أقتل ولم أقطّع، وهذا كله اختلاق، فوقع الناس في حيص بيص، إلى أن تجلّت بشاعة النظام في الإجرام، فوالدة البنت تقول: إنّ التي استلمناها هي بنتنا بالتأكيد، وهذه التي أخرجها الإعلام تشبه بنتنا لكنها ليست هي، أقول لكم: هي بنتي، فهاتوا وهلموا وسلموها لي، لم يحصل ولن يحصل حتى الآن ولا في مستقبل الزمان! وإذا أردت رأيي فإنّها غالباً ستقتل لتختفي آثار الجريمة.
هل يخطر ببالك هذا المستوى من الإجرام؟ هل تتوقع مثل هذه الأبلسة من إبليس نفسه؟ ألم أقل لك إنّه إعلام يتعلّم منه الشيطان!
5- نظرية المؤامرة..الكونية
يزعم النظام في سوريا أنّه يتعرّض لمؤامرة، أطرافها المشاركة: جامعة الدول العربية، وقطر بالخصوص، وأمريكا، وأوروبا، بل الكون كله مشارك في المؤامرة.
أما أنّ كل بلد عربي يتعرّض لمؤامرة، يستوي في ذلك البلدان التي يقودها عملاء معتقون أو أنصاف العملاء أو كائناً من يكون، فكل بلد مستهدف، لكن سوريا بالذات سكت على تقتيلها لشعبها ثمانية أشهر حسوماً، ثم أعطي النظام مهلاً عديدة، مهلة وراء مهلة، جعلت الشعب السوري يسمي الجامعة جامعة المهل العربية المتوالية.
و"إسرائيل" التي توعز إلى سفرائها في أمريكا وأوروبا ومختلف أنحاء العالم ألاّ يسمحوا بسقوط الأسد، والنظام يعلم أنّ فعالية "إسرائيل" تعدل جامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، والأمم المتحدة، مجتمعة، أو تزيد، وأنّ أثرها على أمريكا ودول أوروبا قوي جداً، إن لم تكن تصدر لها التعليمات وكأنها دول تخضع لسلطانها، فأين المؤامرة؟
أليست المؤامرة على الشعب السوري؟ أو ليست جريمة السكوت على جرائم النظام البشعة مؤامرة على البلد كلها وعلى الأمة؟
ثم سلّمنا أنّ هناك مؤامرة، فلماذا القتل الفظيع للناس والتمثيل والتنكيل والسحل والتعذيب، ولماذا الاغتصاب الذي تندى له جباه الإنسانية كلها؟
ما علاقة هذا بالمؤامرة؟ أليس هذا تسهيلاً لمهمة المتآمرين إن كان ثم متآمرين؟ أليست المؤامرة الخارجية تقتضي رص الصف الداخلي؟ أنتم المؤامرة، إجراءاتكم وإجرامكم وفظاعتكم ونهبكم البلد واحتكاركم السلطة وحصرها لا في طائفة فحسب وإنّما في أسرة من الطائفة.
هذا هو المؤامرة! وهذه هي الخيانة والجريمة والعمالة.
6- حمزة الخطيب..نموذج آخر
أراد النظام في سوريا أن يرسل لأهل سوريا رسالة رعب كأفلام هتشكوك، حتى ينزجروا ويكفوا عن الثورة، فعمد إلى فتى في عمر الزهور، ابن ثلاثة عشر ربيعاً فقتله قتلة بشعة وقطع أعضاءه، فكانت ردة الفعل بعكس ما توقع، فبدل أن ينكمش الناس، ازداد عنفوانهم وانتفضوا أعنف مما كانوا. لقد انقلب السحر على من أطلقه. ورفع الناس شعاراً رائعاً: كلنا حمزة الخطيب، فأدرك النظام سوء ما قدّمت يداه، فقام يرقع ما تفتق فانقدح في ذهن كتيبة الكتبة من المرتزقة أنّ حمزة كان يريد أن يغتصب نساء الضباط!
المشكلة أنّ النظام "الغوبلزي" في إعلامه، (غوبلز هو وزير الإعلام لهتلر وكان شعاره اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس، ثم انتهى إلى انتحاره وانتحار معلمه!) أقول إعلام النظام يفتري الكذب ثم يصدق فريته.
وهل نساء الضباط متروكات بلا حراسات لمن أراد أن يعتدي عليهن؟! وهل حمزة الطفل البريء يريد مرة واحدة وهو لمّا يصل هذه المرحلة يريد أن يغتصب؟ إنّها أخلاقكم أسقطتموها بغير توفيق على طفل بريء ينطق وجهه ببراءته وبلعنتكم!
7- خطة إعلامية أسدية ثعلبية مراوغة
في الإعلام كما في السياسة والاقتصاد والعسكرية، استراتيجيات وخطط، وتكتيكات. وكما أنّ هناك في العسكرية تمويهاً على الأهداف والمواقع فكذلك في الإعلام، ومن أخطر مراوغات النظام الثعلبي المراوغ، كما أسلفنا مراراً، أنّه يقبل المبادرات، ثم لا يلبث أن يدخل عليها تعديلات تعجيزية، وتستمر المذبحة، في محاولة لكسب الوقت، لعله يتمكّن من إخماد الثورة، ولو كان حريصاً على أن يرى العالم المسلحين والمندسين كما زعم لوافق على مجيء المراقبين العرب والأجانب ليروا بأم أعينهم جماعات المندسين.
ولكن النظام يعلم أنّه لا مندس إلاّ شبّيحته وأزلامه وجلاوزته وجلادوه وقتلته المأجورون! وقد كان الأسد يراهن أنّه سيرتكب مذبحته، ويخرج منه سلماً كما خرج أبوه! وهو في هذا واهم واهم. تغيّر الزمان، إنّ العالم المتآمر مع أبيك عرباً وعجماً، سكتوا عليه وكأن شيئاً لم يكن مع أنّها كانت حرب إبادة.
ولكن وعلى الرغم من كل المراوغات والخطط والتكتيكات والكذب والافتراءات فإنّ الحق سينتصر لا محالة وسيأتيهم العذاب من حيث لا يحتسبون، وسينهزم باطلهم لا محالة..لقد اقترب موعد تحرير الأقصى والجولان وسائر فلسطين، وهذه الوجوه لا تستحق أن يكون في زمانها، بل هي معيقة هذا الهدف السامي.
يا من تحلم أنّ الزمان كزمان أبيك هذا الظن سيرديك..وإنّ غداً لناظره قريب.

