الأحد 08 فبراير 2026 الساعة 04:19 ص

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

السحل في سوريا عمل مؤسسي منظّم

حجم الخط

ما فتىء النظام على لسان كل رموزه من بشار إلى أصغر ناطق وناهق أو ناعق يرددون النغمة السمجة: أنّ القوات السورية والمدرعات والدبابات والراجمات ومن فوقها الطائرات إنّما هي لحماية الشعب السوري. ويكذبون الكذبة ويصدقونها، ويطلبون من الناس أن تكذّب عيونها وتصدق افتراءهم واختلافهم. ولا نريد أن نناقشهم فهل برغم حرصكم وحراستكم يقتل كل يوم بمعدل ثلاثين شهيداً، فكيف لو لم تكونوا حاضرين؟ وسؤال آخر: لماذا لا يحضر هؤلاء المسلحون المندسون إلاّ إذا حضر الجيش، فيكون الناس في دعة وأمن حتى يحضر الجيش والأمن، فتحضر شياطين الشبّيحة والسحّيلة والموت؟ ولماذا لا يظهر هؤلاء المندسون في مظاهرات التأييد، فلا يقتل هناك واحد، مع أنّ الصَّيْد هناك أدسم، للوفرة والكثرة، فالاندساس أيسر والقتل أسهل؟

ولماذا ظهر المندسون فجأة مع بدء المظاهرات، ولماذا يقترنون بالمظاهرات كالشيء وظله؟ ولماذا وأنتم تحاولون حماية الشعب يهتف الشعب ضدكم، أهو أعمى أم يرغمه المسلحون على هذا الهتاف؟

أو كما قال قائل: إذا كانت عصابات مندسة قلبت البلد رأساً على عقب فكيف لو حاربتم "إسرائيل"؟

وللتعريف بجهاز السحل المخيف: الشبيحة، سألخص لكم هذا المقال:

"الشبيحة في سوريا.. صناعة نظام"، تحت هذا العنوان كتب الكاتب السوري حسن جبران في مجلة الأهرام العربي العدد 764 بتاريخ 12/11/2011، وألخّص أهم ما جاء في المقال لأهميته:

"قال في العنوان: من حافظ ورفعت إلى بشار: الشبيحة في سوريا.. صناعة نظام. وقال: بدأ ظهورهم مع صعود نجم رفعت الأسد، حيث أسس قوة عسكرية ضاربة أسماها سرايا الدفاع. وكلمة الدفاع هنا لا تعني الدفاع عن الوطن بل الدفاع عن النظام، لأنّ العائلة اعتبرت وما زالت تعتبر أنّ الوطن هو النظام وأنّ النظام هو الوطن. هذه الممارسات حوّلت كثيرين من شباب الطائفة إلى جنود مليشيا إجرامية بعد أن كان إخوانهم وأولاد عمومتهم ممن سبقهم بجيل أو جيلين من ألمع طلاب الجامعات السورية.

ثم قال الكاتب: الشبيحة: الكلمة جاءت من كلمة الشبح، أيّ الكائن المرعب المحسوس بأعماله ولكن غير المرئي لا اسم له ولا عنوان. ولشبّيحة مواقع التواصل الاجتماعي مهمة أخرى وهي تحضير الضحية ووضعها على المذبح كي يعمل بها ساطور شبيحة الشارع.

لم يمل النظام السوري من نكرانه الساذج لوجود الشبيحة، ولم يمل الشبيحة من إثبات وجودهم البشع في حياة الشعب السوري.

والشبيحة ليسوا جدداً في حياة السوريين، فعمرهم من عمر حكم عائلة الأسد،ب وبدأ ظهورهم مع صعود نجم رفعت الأسد، حيث أسس قوة عسكرية ضاربة أسماها سرايا الدفاع، وسرايا الدفاع هذه أسست لمفهوم الشبيحة من خلال ممارسات همجية بربرية تتطابق مع سلوك الغزاة البرابرة الذين يروّعون المدن ويستبيحونها عند احتلالها. كانت الغاية زرع الرعب في قلوب السوريين، بحيث يدرك كل فرد فيهم أنّ ثمن الاعتراض على النظام أو حتى مجرد مساءلته هو الموت. وهكذا أصبحت صورة جندي سرايا الدفاع مرادفة للرعب والقهر والذل، فما بالك بصورة الضباط الذين كان مصرحاً لأيّ منهم أن يقتحم أيّ بيت غير مسكون ويسكن فيه. استباحوا الأعراض والممتلكات وأهانوا الأمة في صميم معتقداتها وأطلقوا لعناصرهم أن ينزعوا الحجاب عن رأس كل امرأة محجبة.

واختار رفعت أن يكون معظم هؤلاء من الطائفة العلوية، مما أدّى إلى خلق انقسام وكراهية بين الطائفة والطوائف الأخرى وخاصة السنة. والمجال الحيوي لممارسات رفعت ورجاله لم يكن دمشق وحدها بل امتد ليشمل باقي المدن السورية، حيث تم قهر الناس واعتدى على سلامتهم. وكان جندي صغير في سرايا الدفاع قادراً على إهانة ضابط سوري في الجيش. هذه الممارسات حوّلت كثيرين من شباب الطائفة إلى جنود مليشيا إجرامية وتم كل ذلك باسم الوطن والدفاع عنه ضد المشروع الصهيوني. ولقد جاء يوم طمع فيه رفعت بوراثة أخيه حافظ بمجرد أن تدهورت صحته، لكن لم تجر الرياح كما يشتهي رفعت فقد عاد الرئيس من غيبوبته. وبعد مواجهات كادت تودي بالبلد استطاع حافظ أن يكسب المعركة ويرسل أخاه إلى المنفى في صفقة تمت بعد مفاوضات، وكان ثمنها مليارات الدولارات انتزعت من خزينة الدولة وأعطيت لرفعت كتعويض له عن تنازله عن نصيبه من السلطة. بمعنى آخر استطاع حافظ أن يشتري حصة أخيه رفعت من المزرعة التي هي سوريا. وبناء عليه تم رحيل رفعت بملياراته إلى منفاه الباريسي، وحُلّت مليشيا سرايا الدفاع واستعيض عنها في مهمات حماية النظام عسكرياً بالحرس الجمهوري، ولكن ذلك لم يكن نهاية الحكاية بل بداية لفصل ثان منها. فقد بقيت عقلية المليشيا حية وأصبحت مليشيات بعد أن كانت واحدة، وأنشأ كل فرد من عائلة الأسد مليشياه الخاصة، مثلهم الأعلى في ذلك رفعت، وأوكل كل منهم لمليشياه مهمة حمايته، لا تدري ممن. (عند نقطة الحماية هذه يشير الكاتب إلى أنّ "إسرائيل" لم يسجل عليها أنّها قامت بمحاولة اغتيال أيّ من آل الأسد رغم براعتها في اغتيال عديد من الشخصيات العربية والمقاومين الشرفاء والعلماء، والباقي عندك يا خيو!)

يقول: كما قامت هذه المليشيا بأعمال رفعت التي لم تقم يوماً إلاّ على انتهاك القانون والدوس على كرامة المواطنين. ثم يشير إلى انخفاض مستوى التعليم في آل الأسد باستثناء أولاد حافظ. ثم ذكر أنّه بإمكانهم الحصول على الشهادات بطرقهم، لكنّهم لم يحرصوا عليها واكتفوا بزعامة المليشيات، وعدد من أعمالها: التهريب والنهب وفرض الأتاوات وخطف النساء اللاتي يريد، ثم يعلّق: كان زمناً سلبياً رديئاً بكل ما تعني الكلمة. هذه المليشيات هي ما أطلق عليه السوريون اسم الشبّيحة، وأغلب الظن أنّ الكلمة جاءت من كلمة الشبح أيّ الكائن المرعب المحسوس بأعماله. (ويمكن أن تكون أيضاً اشتقت من أعمال "الشبْح" بمعنى التعليق، فالتعذيب بالوسائل المختلفة واللانهائية في أفانين إجرامها واحد من مهماتها، ويمكن أن تشتق أيضاً من تحويل المعتقل لديهم إلى شبح إما اختفاء وإما خسفاً في الوزن. وحدّثني أهل من يحمل اسماً مثل اسمي، أنّ ابنهم عُذّب حتى نقص وزنه قرابة ثلاثين كيلوغراماً وهم يعلمون أنّه ليس أنا ولا أنا هو، فهو سائق شاحنة ولم يكن وقتها يقيم الصلاة)، (وذكرت "الجزيرة" عن سوري قوله: إنّ الشبيحة سموا بهذا لأنّهم كانوا يمتلكون سيارات "الشبح" "أونطجة وبلطجة". على كلٍّ، تعددت التخريجات والشبح واحد!) والعجيب أنّ وليد المعلم "والمعلم" طلبوا من جامعة الدول العربية توضيح ما معنى الشبّيحة. تأمّل الوقاحة والبجاحة وانعدام الرجاحة والفلاحة، وإسهاماً مني في التوضيح جاء هذا المقال الصريح.

(نعود إلى الكاتب وتفسيره للشبّيحة والشبح، وأنّه الكائن غير المحسوس بذاته ولكنّه محسوس بأعماله وإجرامه، المهم، يقول: هذا الشبح) "غير مرئي ولا اسم له ولا عنوان. هؤلاء الشبّيحة أذاقوا السوريين المر والأمر، ليس في دمشق فقط، وإنّما في المدن الساحلية أيضاً كجبلة وطرطوس واللاذقية. ولم ينج من تشبيحهم سوري، بل طالت جرائمهم الجميع.

لقد ظلّت هذه العصابات فوق القانون تتحدّى شجاعة أيّ قاض أن يوقفهم أمام القانون، (الشجاعة ليست عملاً فردياً انتحارياً، ولكنّها وليدة وثمرة تكاتف مجتمع ومؤسسات المجتمع، فإذا غابت هذه اختفت الشجاعة. الشجاعة ثقافة وأحوال، تجعلك تقابل وتواجه الأهوال، فإذا انتكس الحال واحتل المناصب العليا أشباه الرجال، تبخّر الرجال. ولقد وقف مروان حديد وقفة رجل فعذّب عذاباً لا تتحمّله الجبا، ثم أتوا به أهله، وأمروهم أن يدفن في الحال!)

نعود إلى المقال الذي كان يتكلّم عن غياب القضاء الذي يوقف الشبّيحة "ويطلق ويطبق حكم القانون عليهم، حتى أنّ كثيراً من جرائمهم اعتبرت ضد مجهول، والحال على هذا المنوال، لم يكن أمام الشعب السوري إلاّ أن يتطلّع إلى الرئيس شخصياً أو أحد أبنائه ليتدخّل ويضع حداً لهم (الشبّيحة) على اعتبار أنّها (المليشيات) تتحرك بأوامر ولصالح أفراد من هذه العائلة ولا سلطة لأحد عليها. هذا التطلع كان يتم تجاهله كثيراً ويلبّى أحياناً، كأن يتدخل باسل الأسد (الذي توفي في حادث سيارة واعتبر شهيداً)، (يقال أنّه كان يسوق بتهور شديد، ويقال أنّ الضباب وراء الحادث، وقد يكون شيء وراء ذلك كالتدخل الذي أشار إليه المقال. وهو على كل حال، كان ولي العهد لحافظ، فما كان بشار لا على الخاطر ولا على البال!)

ونعود إلى المقال الذي كان يتحدّث عن تدخل باسل أحياناً، فيوقف بعضهم لساعات ثم يعيد إطلاقهم ليتابعوا مهماتهم في نهش الثروات من خلال السلب والنهب وفرض الأتاوات والمشاركة القسرية لبعض رجال الأعمال والتهريب وغير ذلك من الأعمال التي لا تحتاج إلى أيّ نوع من الكفاءة والاجتهاد، بل تحتاج فقط إلى ميول إجرامية وجرأة لا أخلاقية قلّ نظيرها نوعاً وامتداداً، إذ أنّها أقضّت مضاجع السوريين على امتداد الوطن وعلى مدى ثلاثة عقود بوتائر تنخفض أو تتصاعد، ولكنّها بقيت موجودة.

ولوجودها هذا سر يقودنا لفهم ما يجري الآن في سوريا، وهنا بيت القصيد!"

هذه الظاهرة الإجرامية التي بدأت باسم سرايا الدفاع ثم انتهت بالشبّيحة، الذين يسميهم المعلم وإعلام المعلم: المندسين، الذين روّعوا الشعب السوري الحر الأبيّ الكريم.

هذه العصابات الإجرامية سنواصل الحديث عنها في حلقة مقبلة بإذن الله.