الأحد 11 يناير 2026 الساعة 06:46 م

مقالات وآراء

هل ندخل للحوار من باب الحارة

حجم الخط

هل يمكن أن نسقط أحداث المسلسل السوري باب الحارة على مفردات الواقع الفلسطيني ؟؟ وهل من الممكن الافتراض بان الكاتب أراد أن يجسد الحالة الفلسطينية بكل تفاصيلها المعقدة من خلال أحداث المسلسل التي أشارت في جزء منها إلى الصراع بين أصحاب الحق ومن يحول دون تحقيقه على الأرض لأسباب مختلفة.

 

إن مثل هذه الفرضيات قد تكون ضرباً من العبثية في التحليل والربط، وهذا ما تتركه الأعمال الفنية والدرامية للمشاهدين الذين يختلفون في فهم بعض المدلولات والأهداف التي تختتم بها الأعمال الفنية، وقد يقول قائل ما علاقة مسلسل درامي تدور أحداثه في بيئة  دمشقية ويعالج قضايا اجتماعية خاصة في حقبة تاريخية ماضية بواقع فلسطين الذي يعيش انقساماً بين حركتي فتح وحماس.

 

في تتبع  للأحداث والشخصيات والخاتمة تستوقفك الكثير من الدلالات وعلامات الربط التي تجعلنا نقول أن الكاتب أراد تجسيد الواقع الفلسطيني من خلال المسلسل وأنه أراد أن يساهم بمبادرة درامية تخرج الفلسطينيين من حالة التشرذم التي يعيشونها الآن، وإن لم يكن قد قصد ذلك فإن أي مراقب لمجريات المسلسل يستطيع أن يلاحظ بعض التشابه ويسقطه على الواقع الفلسطيني بشخصياته وأحداثه وحتى مصطلحاته.

 

فحارتا الضبع وأبو النار (غزة و رام الله) نموذج لحالة الاستقطاب القوي والمنافسة لإثبات الذات مع وجود عوامل عدة جمعتهما تحت سماء واحدة ولغة واحدة ووطن واحد، ورغم أن الحارتين تجمعهما القرابة والنسب والعلاقات التجارية والاجتماعية إلا أن الأجواء المشحونة وحالة الصدام المتواصلة بحثاً عن إثبات الذات (الشرعية) كانت تهدد هذا النسيج من التواصل بل وفي لحظة قاسية عكرت من صفو العلاقات القوية بينهما وأنستهما مع طغيان القوة والانتماء للحارة (حماس وفتح) صلة الدين والدم والقرابة والوطن.

 

 حارتان يلتصق بعضهما ببعض ولا يفصل بينهما سوى بابان وأسوار عالية ومحصنتان بالتعبئة التي جعلت الخوف والحرص على خصوصيات كل حارة يطغى على المصالح العامة دون أن يكون للقواسم المشتركة رصيداً من تفكيرهم يبعد عنهما شبح المواجهة (الاقتتال الداخلي)، وقد يكون أحدهما فكر بذلك وهداه تفكيره  إلى ضرورة البحث عما يؤلف القلوب ويجمعها ولكن في ذروة الأحداث يقف العقل عن التفكير وبوجود جهات وأسباب أخرى (أوامر خارجية) لا يروق لها الالتقاء وتجاوز المحن والعفو عن الصغائر... ولكن قصر التفكير عند بعض رجال الحارة الذين يسوؤهم التوحد والالتقاء (حكومة وحدة وطنية) ويرغبون بالانتقام الشخصي، وتقودهم دوافع ضيقة دون أن يلتفتوا للأضرار التي قد تجنيها الحسابات الخاطئة عجل من ساعة الحرب،  فرفع الجار سيفه بوجه جاره، بعدما استطاع أبو غالب (التيار الخياني !!) أن يؤجج نار الصراع  لأسباب شخصية وحسابات انتفاعية و تحت عامل الانتقام وبعد أن روج للفتنة واستعاد أحداث الماضي، فيغيب العقل وقتها وتختفي الحكمة بعد أن أصبح أبو غالب (؟؟؟) سيد الموقف، وقد عرفه القوم بالخسة والنذالة وبأنه لا يستحق أن تراق قطرة دم واحدة بسببه، ولكن تبرير الخطأ وتصديقه (التحريض الإعلامي) جعل ممن لا يذكر في مصاف الرجال يتحكم بمصير حارة بأكملها (قائد من ورق) فيقهقه من بعيد وينفث سموماً بين أهل الحارتين الواقعتين تحت الاحتلال الفرنسي؟؟ (الصهيوني !!) فتنجح مخططاته الشيطانية وتقع الحارتان فيما كان العقلاء بينهم يتجنبونه.

 

 و أما أهل الحارتين (عامة المواطنين) فلا حول لهم ولاقوة إلا أن يسلموا أمرهم للعقيدين أبو نار وأبو شهاب (عباس وهنية) فهما من يدير شأنهم، ويحمي ظهرهم ويعطيهم مؤنة العام (الراتب)، ورغم إدراكهم بشرعية كليهما التي جاءت من تحت عباءتهم وبرضا كامل منهم إلا أنهم لم يجرؤوا أن يناقشوا أو يعبروا عن رأيهم حتى وإن توقفت المؤنة (الراتب) عن البعض، فقد  يلحق به الاعتداء على الروح والنفس في وقت غاب فيه القانون وأصبح مزاجياً (صلاحيات تأخذ قوة القانون) فصمت أهل الحارة لم يكن موافقة مطلقة لكل ما كان يحدث أو إتباعاً أعمى بل إن الخوف على مؤنة العام والحق في الحياة كان سبباً لصمتهم.

 

ولعل التمعن جيداً بالشخصيات التي أتقنت دورها في المسلسل تجعلنا نربطها بشكل قوي بالشخصيات والمسميات الحقيقية على أرض الواقع، فقد كان أبو عصام (؟؟؟؟؟) زينة قومه والرجل الرشيد بينهم، متمسكاً بأخلاق تربى عليها ونشأ، ولكنه أوذي بعرضه وأهله واتهم في أكثر من موطن، ولم يرق لبعض المنتفعين (أهل الخبرة!!!) أن تهنأ حياته رغم علمهم بأصله وتاريخه بينهم، فكانت الحرب الضروس عليه من كافة الجبهات والتي أثرت على رصيده الذي بدأ بالتراجع، فقد أثمرت الحرب ( المقاطعة والتحريض والحصار)، لكنه صبر واحتسب لعلمه بأنها غمة ستزول بزوال أسبابها، وبقي مع شدة الحرب عليه كما هو، لم يغير أو يبدل حتى جاء يوم الحقيقة والبيان.

 

واصطيف الذي مثل قمة التعاون والتخابر مع العدو (التنسيق الأمني والتطبيع) ومن قبل إثارة المشاكل الداخلية والفتنة (الانقلاب) متستراً بلباس الحاجة والضعف، فقتل قائد القوم وزعيمهم بعدما علم أن أمره قد انكشف، وافتضح سره على يديه وذلك من أجل أهداف خاصة وطمعاً بما في يد العدو (منح ومساعدات)، و بعدما وثق بوعوده وانساق خلف سراب من الأحلام (مؤتمرات واتفاقات) واستخف بما تمتلكه عشيرته من مقومات القوة (الحق والإيمان) فباع حارته وأهلها، وعاش طريداً ينتظر أجله المحتوم على كل خائن ولو بعد حين، وقد عاجلته رصاصات المخلصين الذين كان يتكلم بلغتهم ويدين بدينهم ويصلي معهم، فالخيانة أكبر من كل هذا وتطهير الحارة من أمثاله (الحسم) خير من البقاء عليه حياً يعيث فساداً وينفذ أوامر العدو (دايتون) على حساب أمن وهدوء واستقرار حارته.

 

قد تكون هذه المقاربات تحمل نوعاً من التشابه وهي محاولة لفهم الأسباب التي جعلت هذا المسلسل الدرامي يحوز على ثقة المشاهدين في الوطن العربي ويحصل على أعلى نسبة متابعة في رمضان، فبالإضافة إلى أنه ذكر المواطن العربي بتراثه الحقيقي وأخلاقه وعاداته وتقاليده وعلاقاته الاجتماعية التي كانت سائدة في ظل الخلافة وقبل أن تتشتت الدول العربية وتنقسم على ذاتها، جسد أيضاً واقعاً سياسياً يعيشه العربي وقد أسقط كل الأحداث على بيئته الخاصة ويومياته التي يعايشها الآن، وإن كان الفلسطيني الأكثر قرباً والتصاقاً بالأحداث من بدايتها وحتى نهايتها وقد تمنى أن تنتهي أحداثه الداخلية بذات السيناريو التي اختتمت به أحداث باب الحارة بالوفاق والحب والتعاضد، ففي لحظة الحقيقة وزوال الغشاوة عن العيون لم يبرر قائد النار أخطاء مناصريه وأبناء حارته ولم يكابر في ادعاء الباطل، بل ناصر الحق حتى وإن كان مع خصومه (السياسيين) والمنافسين له على الزعامة والقيادة (الشرعية) وذهب إلى أكثر من ذلك عندما تخلى عن قيادته وأصبح جندياً مع منافسيه.

 

لقد تجسدت الوحدة الحقيقية عند نهاية المسلسل (وهي أمنية كل فلسطيني) و تمثلت بوحدة الحارتين بعد أن أسر الاحتلال الفرنسي بعض الرجال الذين لبوا نداء الحاجة لنصرة فلسطين بالسلاح، و لحظتها ذابت كل الخلافات الداخلية وانتهت المناكفات الخاصة والرغبة بالقيادة والتفوق وإثبات الذات، فالحفاظ على المقدرات الوطنية أكبر من الحديث والبحث عن هذه التفاهات التي تصغر أمام العدو الحقيقي، ولم يكن وقتها مجال للبحث عن القائد والزعيم أو التنقيب عن الخلافات وإبرازها في وقت كان الجميع فيه مستهدفاً.

 

وإذا كانت الخاتمة بالوحدة  في باب الحارة قد تعالت على كل الخلافات الخاصة مع الاعتراف بالحقيقة رغم قسوتها ونبذ كل المفسدين وفضحهم وبدون تبرير أخطائهم أو طمسها، فإن أحلام كل فلسطيني أن تنتهي حالة التشرذم والانقسام الفلسطيني ونبذ كل الرافضين للوحدة فهل يمكن أن يحدث ذلك وتنتهي الخلافات بما انتهت عليه الأحداث الدرامية في المسلسل، وهل يمكن أن ندخل للحوار من باب الحارة على افتراض أن الكاتب أراد ذلك ؟؟!!