لعل ما من نظام عربي، ينافس النظام في سوريا في عنفه ودمويته وأفانينه في السحل. وعنْده لذلك أجهزة مدرّبة كانت مخفية فاستعلنت وهي «الشبّيحة»، فهؤلاء مهمتهم هذه المهنة القبيحة، السحل والتعذيب. فالشاب الذي مزّق صورة الرئيس في درعا قطعوا أربعة أطرافه: اليدين والرجلين، وتركوه قطعة لحم حي لا يتناول بيده ولا يمشي برجله.
والذي أنشد بصوته العذب ورددت الجماهير من بعده: «بدّك ترحل يا بشار» قلعوا حنجرته فقط، فكيف تجرّأت هذه الحنجرة على مثل هذا الهتاف، وهزّت به الجماهير؟ فليكن عبرة لمن يعتبر. وأما الطفل حمزة الخطيب الذي قطعوا أعضاءه، فما كانت جريمته، وهو طفل لا يجوز أن يعامل إلاّ بالإكرام في كل قوانين الكون، إلاّ في نظام الإجرام.
وأما «الشلاليط» بالبساطير في كل أجزاء الجسم والضرب والركل والرفس (كالحمير)، والصفع العنيف، والصعق بالكهرباء، وترك الجراح تتعفّن، فحدّث عن كل ذلك ولا حرج.
ولقد روى فلسطيني (رحمه الله)، كيف ضرب على أرجله حتى تقيحت من كل جهة، فصار لا يستطيع الحركة ولا الذهاب لقضاء الحاجة، وكان في كل فترة سجنه يصلي بالإيماء والإشارة حتى لا يسجّل عليه أنّه متدين، وهو ممن كان يصوم كل اثنين وخميس ويصلّي القيام بانتظام فيضطر في زمان العربان أن يصلي بالإشارة.
ومن صور السحل أنّ شاباً من ريف دمشق أصيب برصاصة في رجله، فأخذوه إلى مستشفى خاص للعلاج، لأنّ مستشفيات الحكومة هي مجرد مخازن أو معتقلات لمن يدخلها من الجرحى فاختطف من المستشفى، وأعادوه إلى أهله في كيس وقد أطلق على رأسه خمس رصاصات، ووشمت صورة الأسد على صدره. (أقصد الرئيس الأسد وليس ملك الحيوانات!)
ومن صور السحل ما يفعلونه بالجنود المنتسبين لجيش سوريا الحر، الذين يسمونهم في إعلام الأزلام، أزلام النظام: المنشقّين أو الإرهابيين، أو المندسّين، أو المسلّحين..
فهؤلاء يعذبون عذاباً لا يطيقه البشر، ويظلّون على قيودهم، ويرمون جثثهم على قيدها، وقد تلوّنت بكل الألوان من الضرب واللكم، والعصي والكرابيج والسياط وغيرها من أدوات الأبلسة والشيطنة، وبعد تعذيبهم يجرّون موتى أو في طريق الموت، ثم يلقى بهم في قارعة الطرق عبرة لمن يعتبر، أو ينشق أو يفكر!
ولعل أسوأ ما وعته الذاكرة من صور الشبح والتشبيح والشبيحة والسحل ما صنعوه بزينب الحصني في حمص، فقد قطعت ووضعت في ثلاجة الموتى، وسلّمت لأهلها هي وأخوها قتلى، ودعك من حكاية زينب الدوبلير فهي من ألاعيب سينما هوليود أو بوليود أو بلاوود أو بلى وود..
وسحل خالد سعيد في الإسكندرية كان السبب أو الفتيل الذي فجّر ثورة مصر ورب ضارة نافعة.
والسحل في ليبيا القذافي والإعدام بالجملة وبلا محاكمات (تقريباً)، حدّث عنه ولا حرج! وكم آلمني أن يمارس الذي ثار بعض ممارسات من ثار عليه! فقتْل القذافي بالصورة التي قتل بها ما كنّا نتمنى أن نراها لا لأن القذافي يستحق ما هو أكرم، بل لأن أخلاقنا كان ينبغي أن ترتقي إلى ما هو أكرم، وأن لا نلتقي مع الجلادين الجلاوزة المجرمين في الممارسات، ولا ندع فرصة للتعاطف مع مثل هذا المجرم، وكذلك قل في ابنه المعتصم. والأصل أنّ الأسير لا يقتل مهما بلغ من إجرامه، إذا كنا نريد أن نؤسس لدولة القانون والمؤسسات! وننهي دولة الغاب وشرعة الناب!
ولأمر حكيم أن تكون آخر مكالمة للقذافي مع «البشار أو البوشار» ولعلها هي التي كشفت موقعه ومخبأه.. وعلى القذافي جنت براقش، (وبراقش معروفة فلا داعي لأن نشرح أنّها كلبة عند قبيلة عربية نبحت فكشفت قومها، أعني أصحابها، فأغار المغيرون عليهم فقتلوهم! وهكذا كان!)
والتاريخ يعيد نفسه! وعسى يمن الطالع أن تتكرر المكالمة مع البشار و»الصالح» رئيس اليمن فيجلب من النحس ما جلب للقذافي أو عليه. ولعل كشفه لاثنين ينضم إلى رصيده (لا ندري إن كان ثم رصيد حسنات يمكن أن تلحق به ضمائم لمن كانوا بلا ضمائر!)
والآن عود إلى ساحة التغيير، تغيير الأجواء في ميدان تحرير اللغة: والجذر «سحل» في تاج العروس: «ومن المجاز: الرياح تسحل الأرض سحلاً، أيّ تكشط ما عليها وتنزع أُدْمتَها. (قلت: بل هو مطابق تماماً للمعنى الحقيقي المادي فلا داعي للمجاز)
ومن المجاز: قعد فلان على الساحل، وهو ريف البحر وشاطئه وهو مقلوب (يقصد أنّه مسحول وإن عبّرنا عنه بساحل) لأن الماء سحله أيّ قشره، أو علاه، فهو فاعل بمعنى مفعول (وكان القياس مسحولاً) قاله ابن دريد.
ومن المجاز: ساحلوا مساحلة: أيّ أتوا الساحل وأخذوا عليه، ومنه حديث بدر: «فساحل أبو سفيان بالعير» أيّ أتى بهم ساحل البحر.
وسحل الدراهم سحلاً: انتقدها (من النقد لا من الانتقاد!). وسحل الغريمَ مالَه (أو مئة درهم): نَقَده. قال أبو ذؤيب:
فباتَ يجمع ثم آب إلى منى فأصبح راداً يبتغي المزج بالسحل.
أيّ النقد. وسحله مئة سوط سحلاً: ضربه فقشر جلده. وسحلت العين تسحل سحلاً وسحولاً: بكت. وسحل فلان: شتم، ومنه قيل للّسان: مِسْحَل (وفي الأمثال العامية الفصيحة نقول: لسانه مبرد أو كالمبرد.. ونضيف لها الآن مَسحل!)
والسُّحالة: ما سقط من الذهب والفضة ونحوهما إذا بُرِد. وقد سحله سحلاً: إذا برده. وكل ما سحل من شيء، فما سقط منه سحالة. وقال الليث: السُّحالة: ما تحاتَّ من الحديد، وبرد من الموازين».
ومن عِدد السحل: الساطور. قال المعجم الوسيط: «الساطور: سيف القصاب. والساطور سكين عريض ثقيل ذو حد واحد يكسر به العظم. والجمع سواطير.» (على وزن بساطير، هذه للإذلال والتركيع، وتلك للقتل والتقطيع!)
«والسلخ» صورة من صور السحل.. وما أكثر صوره وما أشنعها وأبشعها وأفظعها!
وقال في المعجم إياه في معنى «سلخ»: سلخت الحية سلوخاً، انكشفت عن جلدها (أظن أنّ المعنى واضح إذ سقطت دعاوى الممانعة و..) وسلخ وانسلخ الشهر ونحوه: مضى. وانسلخ النبات أو سلخ: اخضر بعد اليبس (والأقرب اليبس بعد الاخضرار!). وسلخ الجلد سلخاً: كشطه ونزعه. وسلخ الحر أو الجرب الجلد: كشطه أو أحرقه. وسلخ ثيابه: خلعها ونزعها. وسلخ الله الليل من النهار والنهار من الليل: كشفه وفصله. وفي التنزيل: «وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون» وسلخ فلاناً: آذاه بكلامه...
والطعام السليخ: لم يكن له طعم. والسالخ من الحيات: الأسود الشديد السواد. يقال: أسود سالخ وهو أقتل ما يكون من الحيات! (وما كان قلبه أسود، وإن كان هو أبيض فهو من ما وصف المعجم!) (وذو القلب السالخ من القيم والدين أقتل من أقتل الحيات فكم يقتل الثعبان في عشر سنوات؟ إنّ نظام المسالخ يقتل في كل يوم أكثر من ثعابين سوريا في سنة!)
والسلاخ: الكثير السلخ. (هذا لحام مهنته. أما أن يتحوّل جيش الشعب إلى سلاخ للشعب فهذا ما لم يخطر ببال الشعب!)
والمسلاخ: الجلد. ويقال في المدح أو الذم. (يقال): هو مَلَك أو حمار في مسلاخ إنسان.
والمسلخ (مفتوح): مكان سلخ الجلود. (من عهد الجدود، والآن يجدد للأحفاد كل الموجود في زمن الأجداد! أحفاد اليهود)
والسحل له بقايا.. وزوايا.
