إدارة الأزمات واقتصاد الأزمات..من الطبيعي أن يختلف كل ذلك عن الإدارة وقت الرخاء والرفاهية (والبغددة).
فزمن السعة والدعة ولّى (وتعيش إنت)، فمن الطبيعي أن ندير أمورنا "إدارة إستراتيجية"، أو "إدارة أزمة"، وأن تتحول البلد إلى "ورشة عمل"، أو خلية نحل أو نمل (زي بعضه)، شغلاً وعملاً ودأباً واجتهاداً ومواصلة الليل بالنهار حتى نجتاز "العقبة" ونخرج من الأزمة وعنق الزجاجة، ويخرج عفريت الاقتصاد من القمقم، ونسدد الدين يا معودين (على كل مواطن صغيراً وكبيراً 3.4 ألف دينار دين عام غير الدين الخاص).
وأول ما ينبغي تفعيله الحقل والعقل. العقل تخطيطاً وهندسة وإدارة وتجديداً وابتكاراً وخطاباً إعلامياً راقياً وتربية وتعليماً وتعبئة..
والحقل إنتاجاً وتخضيراً وتزهيراً وازدهاراً ثم تصنيعاً زراعياً، حتى نصل في كل ذلك إلى الاكتفاء الذاتي، حلم عيني.. وأمل حياتي.. قبل مماتي.
وقد طرحت في حلقة سابقة فكرة في "إحياء الأرض الموات" وهي فكرة نبوية شريفة عملية إنتاجية إبداعية، وتشجيعية من طراز فريد: "من أحيا أرضاً مواتاً (أو ميتة) فهي له!"
ومر عمر رضي الله عنه بأرض جرداء فقال لمن هذه؟ فقيل لفلان، فسأل عنه فأحضروه له، فقال: هذه أرض أقطعنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ما معناه: إن لم تزرعها أخذناها أو نزعناها منك. وهذه عبقرية في الإدارة!
فما قصد رسول الله عليه الصلوات بمثل تلك الأعطيات أن تعطّل الأرض! معاذ الله، والأمور بمقاصدها.
وقلت: حبذا لو جربت الحكومات ووزارات الزراعة المتعاقبة ولا ندري على الأرض ماذا تعمل، قلت: حبذا لو وزّعوا الأرض ما بين عمان ومعان على خريجي الزراعة عشرينات أو خمسينات، أعني دونمات، على أن تخضر خلال ثلاث سنوات..
نريد خططاً وبرامج أيها الناس، وهذه من هندسة العقل، ثم تترجم في زراعة الحقل: هندسة زراعية. هل نحلم أن نرى هذا واقعاً معاشاً أو معيشاً؟!
هل نحلم أن تكون الضفة الشرقية خضراء كالتي استولى عليها الصهاينة أعني الضفة الغربية؟! (العبارة غير موفقة تبدو؟!)
وأذكر أننا كنا حول خيمتنا في أمتار معدودة نزرع عدة أنواع من الخضار ونربي عدة أنواع من الطيور والأرانب في اقتصاد منزلي كان بعد الله معتمدنا. فأكلنا اللحم بعد أن عضنا الجوع بنابه، واكتفينا فلم لا نعيد الكرة في الاقتصاد المنزلي والحقل المنزلي، إلى أن تحقّل الأرض، وتوزع في خطة شاملة. أحلم بيوم أرى الأردن فيه قطعة خضراء، وأفخر والحمد لله أني كنت أول من طرح فكرة زراعة المليون شجرة الأولى والثانية، وأول من نادى بأردن أخضر، وهذا موثق مسجّل وليس دعوى.
والآن إلى حقلنا الخصيب الرطيب الحبيب العجيب ميدان الأريب والأديب: اللسان، لسان الأعاريب. قال اللسان متابعاً معاني "حَقَل":
والحاقل: الأكّار (على وزن فلاح وحراث)، والمحاقل (بفتح الميم): المزارع. والمحاقلة بيع الزرع قبل بدو صلاحه.. وهو مثل المخابرة، وقيل: المحاقلة: اكتراء الأرض بالحنطة، وهو الذي يسميه الزراعون "المجاربة". (يبدو أنها مشتقة من التجربة!) ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة، وهو بيع الزرع في سنبله بالبر مأخوذ من الحقل القَراح.
وروي عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما المحاقلة؟ قال: المحاقلة بيع الزرع بالقمح، قال الأزهري: وإن كان مأخوذاً من إحقال الزرع إذا تشعب فهو بيع الزرع قبل صلاحه، وهو غرر، وإن كان مأخوذاً من الحقل وهو القراح، وباع زرعاً في سنبله نابتاً في قراح بالبر، فهو بيع بُر مجهول ببر معلوم، ويدخله الربا لأنه لا يؤمن التفاضل، ويدخله الغرر لأنه مغيّب في أكمامه.
وروى أبو العباس عن ابن الأعرابي قال: الحقل بالحقل أن يبيع زرعاً في قراح (يعني الأرض)، بزرع في قراح، قال ابن الأثير: وإنما نهي عن المحاقلة لأنهما من المكيل، ولا يجوز فيه إذا كانا من جنس واحد إلا مثلاً بمثل، ويداً بيد وهذا مجهول لا يدرى أيهما أكثر، وفيه النسيئة. (الزيادة مقابل الأجل).
والمحاقلة: مفاعلة من الحقل، وهو الزرع.. وقيل هو من الحقل، وهي الأرض التي تزرع. وتسميه أهل العراق القراح. والحقلة (بفتح الحاء): ما يبقى من الماء الصافي في الحوض ولا ترى أرضه من ورائه. (أظن أنه من المجاز، ولاحظ أن الماء يغطي أرض الحوض وليست ترى من تحته، فكأنه أصبح هو الأرض أي الحقل. فهو مجاز علاقته الحالية والمحلية أو أنه استعار اللفظ، أو غير اللي قلناه كله.)
والحقلة (بفتح أيضاً): من أدواء الإبل، قال ابن سيده: ولا أدري أي داء هو. (ليس مطلوباً من اللغوي أن يعرف حقيقة معنى الكلمة في الواقع، ولو درى لكان أفضل. لكن الأمر سيطول جداً فهذه اللغة غنية جداً متفرعة متشعبة جذورها في أرض اللغة وفروعها وأوراقها في سماء الحياة والواقع والمعيشة.)
ونتابع ابن سيده: وقد حقِلت (بكسر القاف) تحقَل (بفتح القاف) حَقلة وحَقْلاً (بفتح الحاء هنا.) (وتسكين القاف) قال رؤبة يمدح بلالاً (ولا ندري نحن من بلال. أهو الذي إذا قيل علم من هو أقصد بلالاً رضي الله عنه أو غيره!)، ونسبه الجوهري للعجاج. (والذي أعلمه أن رؤبة العجاج) المهم، البيت هو:
يبرُق برق العارض النّغّاض ذاك، وتشفي حَقلةَ الأمراض
(لاحظ أنه استخدم 3 مرات حرف الضاد في بيت واحد. ليثبت أنها لغة الضاد!)
قال رؤبة: "في بطنه أحقالة وبشَمة." وهو أن يشرب الماء مع التراب فيبشم. (تنسد نفسه يعني.)
قال اللسان: "البشم تخمة على الدسم، وربما بشم الفصيل من كثرة شرب اللبن حتى يدقى سلحاً فيهلك، يقال دقي: إذا كثر سلحه. (السلح معروف يعني الإسهال بالبلدي). قال ابن سيده: البشم التخمة. وقيل: هو أن يكثر من الطعام حتى يكربه.. وبَشِمت منه سئمت.." (وهو مجاز) ونكتفي بهذا البشم الدسم.
وقال أبو عبيد (لعله القاسم): من أكل التراب مع البقل، وقد حقِلت الإبل حَقْلة (مثل رحمة يقول اللسان) والجمع أحقال. قال ابن بري (لا علاقة له بنبيه. والله أعلم): يقال الحقلة والحقال (بفتح فضم). قال: ودواؤه أن يوضع على الدابة عدة أكسية حتى تعرق. (هذه الوصفة للبشر والدواب فالعامة تقول: إذا عرق فك، يعني تعافى!)
وحقِل الفرس حقلاً، أصابه وجع في بطنه. (ألف سلامة). وحقيل: اسم موضع. ومنه قول الراعي (هذا شاعر مش راعي غنم):
وأفضْن بعد كظومهن بحرّة من ذي الأبارق، إذ رعين حقيلا
ومنه ما أنشد سيبويه: "لها بحقيل فالنميرة منزل.." أ.هـ. بتصرف واختصار من اللسان.
وأما قول القذافي (قذاف الدم، قذف الله به في مهاوي الردى) قوله في ساعة صحو قليلاً ما تنتابه أو تعاوده: الأرض الأرض الحقل الحقل القرية القرية.. هذه غير زنقة زنقة في الوقت والمناسبة ودرجة الجنون. أقول: دعوة نظرية صحيحة، وإن كان لم يترجم منها حرفاً واحداً. وهل بعد 44 سنة مطلب لمزيد وقت حتى يجرب بعد أن غدا من جماعة (أم أربع وأربعين!). القذافي ما غيره أحرق الجبل الأخضر قبل سنوات والآن يحرق ليبيا وجبلها الأخضر. أحرقه الله بناره. وهل الشعب حقل تجارب لنظريات القذافي؟ طيب ما كنت جربت في متسع الوقت أما الآن فقد ضاق الوقت "وانزنق" وصرت مدعواً دعوة
واحدة: الرحيل.. الرحيل.. من غير وداع ولا أسف.. ولا ذكرى طيبة. يا ولداه على مفارقة الكرسي أو الكراسي. وفعلاً خلع الأسنان والأضراس، بل قطع الراس أهون من الخلع من الكراسي أو الكرسي الراسي! والقذافي هو الذي كان ينعت الديموقراطية بأنها: ديموكراسي! شاطر يا منحوس!)
ومن استعمالات كلمة "الحقل" نقول: "الحقل المعرفي" أو "حقل التخصص" أي مجال التخصص إن في الطب أو الهندسة أو أي فرع من فروع الدراسة والعلم.
فالحقل والعقل التقى كل منهما بالآخر.. في الحروف وفي ميادين العلم والبحث والاختصاص والتنقيب. وما الثقافة إلا حراثة في العقول، وما الزراعة إلا حراثة في الحقول. ولذلك يسمونها في الإنجليزية: (واللاتينية عموماً): CULTURE التي تلتقي بوضوح تام مع: AGRICULTURE بمعنى زراعة. وهذا يؤكد ما نقول من تلاقي الحقول والعقول.
ومن الأمثال الشعبية، في الشام خاصة: "شرط بالحقل، ولا خناقة على البيدر" وشرط الحقل من عمل العقل، والخناقة على البيدر وهذه تابعة للحقل. ويقابله عندنا: "الذي أوله شرط آخره رضا" يقصدون: "فاكتبوه"، ويقصدون الاتفاق الواضح من غير غمغمة ولا طمطمة ولا طوطمة ولا همهمة علشان متحصلش "دمدمة وزمزمة." وضرب شباري ومطاوي وقناوي وسكاكين وقرن غزال وسيوف.. إلى آخر الأدوات الحادة. "وضرب الخناجر ولا حكم النذل فيّا." كانت هذه أغنية مفضلة في فلسطين منذ زمن الانتداب ثم زمن الاغتصاب ثم زمن الانتهاب! ودع هذا ودعونا نحلم جميعاً بأردن أخضر جباله غابات سهوله جنات وارفات وبركات.
ودعونا نحيل الحلم حقيقة..


