تمت صفقة تبادل الأسرى في سياق سياسي عام يختلف تمامًا عن السياق السياسي الذي توفر في زمن الرئيس المخلوع حسني مبارك أو في وساطة الجنرال الألماني الكبير. لم يكن السياق السياسي العام المكَّون من مفردات عديدة ناضجًا بما فيه الكفاية لتحقيق النجاح. العرض الأخير الذي جاء به الوسيط الألماني رفضته حماس وقبله نتنياهو لأنه كان الأقرب إلى مصالح (إسرائيل) ورؤيتها التفاوضية لعملية التبادل، ورأت حماس فيه إجحافاً واضحًا بمصالحها ولا تستطيع أن تدافع عنه ولا أن تتبناه، ولم يتمكن رجل ألمانيا من الضغط على الجانب الإسرائيلي لتليين موقفه .
توقف الألماني، وتعطلت الصفقة، ودخلت منطقة الشرق الأوسط عامة في سياق سياسي جديد، وأظلها طقس مغاير لما كان سائرًا قبل سنة تقريبًا، فقد نجحت الثورة المصرية بالإطاحة بنظام حسني مبارك وتسلّم المجلس العسكري مركز القيادة السياسية والعسكرية وألزم نفسه بتحقيق مطالب الثورة والشعب وتنظيم عملية التغيير في ظل قواعد ثابتة، وفي هذه الأثناء دخل الشعب المصري الثائر السفارة الإسرائيلية، وبعثر ما فيها من مستندات، وأنزل علم (إسرائيل) من سماء القاهرة، وتدخل الكومندوز المصري لإنقاذ طاقم السفارة، الأمر الذي هدد بأزمة كبيرة في العلاقات المصرية الإسرائيلية لاسيما وأن (إسرائيل) متهمة بقتل (5) من الجنود المصريين بدم بارد وبلا مبرر.
مظاهر الأزمة الحادة كانت بادية للعيان، وفي أحشائها تهديد حقيقي لاتفاقية كامب ديفيد، الأمر الذي وضع العلاقات المصرية الإسرائيلية الباردة أصلاً على مفترق طرق، إما أن تذهب إلى الهاوية، وإما أن يتجه الطرفان نحو ترميمها بالقدر الممكن في هذه المرحلة. ويبدو أن الطرفين قد اختارا عملية الترميم الهادئ، فقدم باراك اعتذار حكومته عن مقتل الجنود الخمسة، واستجابت حكومة نتنياهو إلى مطالب الجانب المصري بضرورة إنجاح مفاوضات تبادل الأسرى في هذه المرحلة الحساسة جدًا.
لا أحد ينكر مركزية اتفاقية كامب ديفيد، والعلاقات الإسرائيلية المصرية للطرف الإسرائيلي حتى وإن كانت باردة، فـ(إسرائيل) التي استفادت كثيرًا من خروج مصر من معادلة الصراع لا يمكنها المغامرة بإعادتها إلى قيادة معادلة الصراع، ومن ثمّ فهي بحاجة إلى توثيق العلاقة مع المجلس العسكري من خلال تفهم طبيعة هذه المرحلة، والعيش في السياق السياسي الجديد والتكيف معه، ولا مانع من إنجاح صفقة التبادل والقبول بمطالب حماس التي فشل رجل ألمانيا في تحقيقها في مقابل علاقة جيدة مع المجلس العسكري في مصر.
كان الطرف المصري الأكثر إدراكًا للمتغيرات في القراءة الإسرائيلية للصفقة، والأكثر اطلاعًا على توجهات الرأي العام الإسرائيلي الضاغط بأغلبية من أجل إتمام التبادل، وكان الأكثر تقديرًا لحاجة نتنياهو للخروج من ضغط الثورة الاجتماعية غير المسبوقة، ولأن السياسة فرص يجدر اقتناصها في وقتها، ومن الممكن في ضوء مصالح معقدة، كان قرار النجاح مصريًا بالدرجة الأولى، قبل أن يكون إسرائيليًا؛ لذا تمكن فريق المخابرات المصري الرائع من تسوية العقبات وتوظيف السياسة لصالح النجاح، فكانت صفقة وفاء الأحرار.


