1- الحقل صورة عن العقل
مثلما تستزرع الأرض وينبت فيها النبات وتستصلح بالحرث والتسميد والسقي والبذار، تستصلح العقول، وتهيّأ وتعدّ وتمنهج وتصقل وتبرمج وتتعلم وتستنبت فيها الأفكار، وتغدو جنات من فكر أغنى من جنات الشجر وأكثر ثراء ونماء وبهاء ورواء وعطاء وازدهار.
جنات ذات بهجة في الأرض والحقل، وأفكار أشد بهجة في الفكر والعقل، تغدو بها الحياة أكثر نضرة وخضرة واتساعاً وسماحة. فما السعة والسعادة والبهجة إلا فكرة. وكم حوّل الناس دورهم وقصورهم إلى ما يشبه القبور ضيقاً، وكم حوّل المفكرون أمكنة الضيق إلى فسحات وجنات معروشات وغير معروشات. ولو كان العقل مفعّلاً متفاعلاً مع الواقع في العالم العربي لحوّلنا كل شبر من الأرض إلى خضرة. ولكانت صورة العقول انطبعت في الحقول. فالأرض صورة عن أصحابها. والحقل صورة للعقل.
وأذكر أني في أول لقاء لي بالبشير بعد الثورة بشهور قلت له: يؤسفني أنّ كل الخضرة في الخرطوم من آثار المستعمر البريطاني. ودللته على موضع في وسط العاصمة أجرد قلت: حولوه إلى حديقة ومنتزه وسموه: حديقة الثورة.
وكلما مررت على جبل "أقرع" أو أجرد في الأردن الغالي أصابتني غصة فلم لا يكون هذا غابة؟ وتنظر فتجد الجبل المجاور له غابة، طبيعية طبعاً! الأرض صورة أهلها، والحقول صورة العقول. ولماذا أخصامنا الصهاينة هم أرباب الزراعة في العالم كله؟ ولماذا بذورنا انتهت فما عدنا نستنبت الخيار إلا بذوراً مهجنة، ولا حتى البندورة إلا كذلك. أين بطيخنا البلدي وشمامنا البلدي والكوسا البلدية؟
هذا التقصير والتفريط يجعلنا تحت رحمة الأعداء! أرأيت إلى الحقول والعقول كيف يكون الرابط بينها وثيقاً.. وعلى طول. فإذا خملت العقول وأصابها الذهول، تراجعت خضرة الأرض وحل اليباس والذبول. وما التصحر في الأرض والحقول، إلاّ نتيجة للتصحر في الأفكار والعقول. وإذا انتعشت العقول وتفتّحت وتثقفت وأبدعت تفتّحت الحقول وأينعت.
وكيف تبدع العقول وحرية التفكير مصادرة في العالم العربي، وفي مختلف "الحقول".
حتى في الدراسات الإسلامية التي هي مصدر التحرر أحطناها بأسوار من الجمود والتقليد وحنّطناها، ونشقشق عن أنّ الإسلام تحرر وإبداع وتجديد وما نحن إلاّ صورة عن الجمود. والآن نعود..إلى اللغة من جديد..
2- حقل في لسان العرب.
قال ابن منظور الإفريقي المصري في اللسان، ولا نكرر ما تشابه في القواميس ما أمكن، بعد أن ذكر القراح الطيب من الأرض، والموضع الجادس أي الموضع البكر من الأرض، وبعد أن ذكر البقلة والحقلة، وأنّه مثل يضرب للكلمة الخسيسة..الخ. وكل ذلك مشترك قال: الحقل: الزرع إذا استجمع خروج نباته، (لعلها قريبة من قوله تعالى: "نخرج منه خَضراً" يعني أول فورة النبات)، وقيل: هو إذا ظهر ورقه واخضرّ، وقيل: هو إذا كثر ورقه، (لاحظ التدرج في النمو ومتابعة اللغة لمراحل النمو، تماماً كما جعلوا للطفل في كل مرحلة كلمة أو اسماً يعبر عن مرحلة من النمو) وقيل: هو الزرع ما دام أخضر، (يعني إذا اصفرّ أو اسودّ خرج من وصفه بالحقل)، وقيل: الحقل: الزرع إذا تشعّب ورقه من قبل أن تغلظ سوقه، (لعلها تشابه ما في القرآن: "أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه"). ويقال منها كلها: أحقل الزرع وأحقلت الأرض، قال ابن بري: شاهده قول الأخطل:
يخطر بالمنجل وسط الحقل يوم الحصاد، خطران الفحل.
(ولا يعرف هذا المنظر إلاّ من رأى الريف في وقت الاستحصاد أو موسم الحصاد، الموسم الذي ينتظره الفلاح على أحرّ من الجمر فحياته معلقة به وزواج أولاده..الخ، وكيف "يتقشمر" الحصادون حمل المنجل وقام يتحنجل، وتبدأ الأهازيج والزغاريد "ويشيش" الرجال، ويحمى الحصيد، وتترامى "الأغمار" على الأرض، كقتلى في معركة، إلى أن تشتدّ الشمس، ويكون الإعياء قد أخذ منهم مأخذاً فيريحون للإفطار وشرب الماء، والشاي إن تيسّر والمخيض.)
ثم ذكر ابن منظور ما يزعم أنّه حديث (ولا وقت عندي للتخريج والتحقق) وذلك قوله: "ما تصنعون بمحاقلكم" أي مزارعكم، واحدتها محقلة من الحقل (بمعنى) الزرع، كالمبقلة من البقل. قال ابن الأثير: ومنه الحديث: "كانت فينا امرأة تحقل سلقاً" (لعله السِّلق الذي نعرفه ونطبخه!)، قال: والرواية: تزرع وتحقل (لعلها شرح)، وقال شمر: قال خالد بن جَنْبة: الحقل: المزرعة التي يزرع فيها البُر، وأنشد:
لَمُنداحٌ من الدَّهنا خصيبٌ لتَنفاح الجنوب به نَسيم
أحب إليّ من قُريان حِسْمَى ومن حَقْلين بينهما تخوم
(المنداح المنبسط، والدهنا موضع معروف في الجزيرة. والتنفاح من النفْح والنفحات، وحسمى موضع جنوب الأردن. هذا دون مراجع. فليراجع من ملك الوقت وليصوب)، (والدهناء الآن صحراء فسبحان من جعلها جنات وحولها صحراء!).
وقال شمر: الحقل: الروضة. وقالوا: موضع الزرع. (قلت: ولعل كل ذلك صحيح، ويشهد لذلك قوله تعالى في كل أنواع الزرع: "الحرث" في أكثر من آية ومنها: "زين للناس.." إلى أن قال: "والأنعام والحرث..")
3- معاني "حقل" كما في تاج العروس.
نستخرج بعض درر تاج العروس، ونغوص إلى لآلئه، غير مكررين المشترك مع اللسان والقاموس والمعجمات الأخرى، فإلى مختارات من عيون ما قال في معاني الجذر حَقَلَ: "الموضع البكر الذي لم يزرع فيه قط" (ولا أرى للتخصيص وجهاً فالأعم أصوب، مع أن التاج –للأمانة- ذكر المعنى الأول كالذي في المعاجم واختصرته لنفي التكرار، فقد قال مثلما قال الأولون: "قراح طيب يزرع فيه"، ثم قال: وقيل: وذكر النص أعلاه. وأنت تعلم أن "قيل" صيغة تمريض.) والحقل كالحقلة ومنه المثل:"لا تنبت البقلة إلا الحقلة"، قال ابن سيده: وليست الحقلة بمعروفة، وأراهم أنّثوها في هذا المثل، لتأنيث البقلة، أو عنوا طائفة منه. (يعني من خلال إشارة ابن سيده وكتابه المحكَم، قلت: يعني أن في الأمر مندوحة وبحبوحة طالما أنّه قال في كلمته الأخيرة: أو عنوا طائفة منه، يعني أنه ما ضيقها.)
ثم قال تاج العروس: "والذي في الصحاح والعباب (كتابان في اللغة لمؤلفيهما الجوهري والصاغاني) إنّ الحقلة واحدة الحقل، قيل: يضرب هذا المثل للكلمة الخسيسة تخرج من الرجل الخسيس."
(قلت: وهذا معنى نفيس. أقصد أنّ الكلمة تقال على وجه الحقيقة وتطلق على وجه المجاز. أما رأيت إلى قوله تعالى في سورة الأعراف بعد الحديث عن إنزال الماء من السماء وإنبات الزرع والثمرات، وقبل قصة نوح، قال فيما بين ذلك: "والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً."
فهو على الحقيقة صلة لما قبله، وهو على المجاز مدخل لما بعده، أيّ البلد الطيب اجتماعياً يخرج نبته ونشْؤه طيباً، والخبيث يخرج نسله وذراريه صورة عنه نكدة منفرة..أرأيت إلى لغتك؟!)
وذكر سائر المعاني كالذي في القواميس ولكنه يزيد عنها في الشواهد. ففي معنى حوقل، وحوقلة: اعتماد الشيخ بيديه على خصره، ذكر قول رؤبة (وذكره كذلك اللسان وغيره):
يا قوم قد حوقلت أو دنوت
وبعد حِيقال الرجال الموت.
وذكر من معاني "حقل" ما ذكر "القاموس المحيط" فقال: حقل وحقلة: "بأجأ أحد جبلي طيء". "وأيضاً قرب أيلة." (هذا المعروف لنا) واستشهد ببيت شعر لعباس بن مرداس رضي الله عنه في ديوانه:
وما روضة من روض حقل تمتّعت عراراً وطُبّاقاً وبقلاً توائماً
وذكَر حقل: اسم ساحل تيماء عند وادي القرى. وذكَر التاج "مخلاف الحقل" باليمن. ووقفنا عندها من قبل. وعرفنا المخلاف المتلاف. فلا نعرّف المعرَّف والمعلّف والمخلَّف.. الذي أتلف البلد ووحدته.
وذكر حقل الرُّخامى (موضع) وذكر بيت الشماخ (في ديوانه):
أمِن دمنتين عرّج الركب فيهما بحقل الرُّخامى قد أنَى لبِلاهما
والحُقالية (بضم الحاء وتخفيف الياء): حصن باليمن من أعمال صنعاء وابن حَقال (كسحاب): اسم.
وأحقل الرجل في الركوب: إذا لزم ظهر الراحلة. (لعله يقصد أنّ ظهر الراحلة صار له كظهر الأرض أو أديمها من حيث اللزوم أو الملازمة!)
والحقل: موضع. وحقيل (كأمير، وأجير طبعاً): وادٍ في بلاد بني أسد..الخ" أ.هـ. من تاج العروس بتلخيص.
والعرار الذي ذكره ابن مرداس من أشهر نباتات الصحراء واسم شاعر الأردن الأشهر، أو لقبه (ما تدقش). والعرار نبت طيب (علف للمواشي) زكي الرائحة نفاذها فيه البيت المشهور:
تمتع من شميم عرار نجد فما بعد العشية من عرار
ولعل "توائماً" التي مرت في بيته تتقارب مع النص الكريم: "وأنبتت من كل زوج بهيج."
ولنا مع الحقول والعقول وما يمت إليها عود لن يطول.. فإلى الحلقة الأخيرة.
