1- مدخل
أكتب هذه الكلمات بعد يوم واحد من جمعة "أحفاد خالد بن الوليد" رضي الله عنه. وخالد عليه الرضوان من أحب الأصحاب إلى قلبي وأقربهم إلى نفسي، ربما وأكثرهم قراءة عنه، واستحضاراً لمواقفه وسيرته وشخصيته.
وإن أنس لا أنس أيام "القواعد" وقد كان معنا عدد من الإخوة السوريين وعدد منهم اسمه خالد، ولا أظن بلداً يسمي خالداً قدر بلاد الشام (عموماً) وسوريا منها على وجه الخصوص، وحمص وحماة على الأخص.
وواحد منهم كان يسقينا الماء عندما يأتي دوره، فلا يحمل مثلنا "جالونين" من ذوات العشرين لتراً، إنما يربط اثنين بحبل، ويحمل كل اثنين في يد، ويقطع بها مسافة من العين إلى المكان الذي نحن فيه.. ووالله كأنها في يده مظروف فيه بعض الباذنجان.
وإني أعتقد أن من علامات الإيمان حب مثل هذا الأسد من آساد الله، وهذا العلم من أعلام الإسلام، وهذا السيف المسلول على الأعداء من سيوف الله. وإلا فما وجه عدم حبه وما مغزاه، وهل نصر الإسلام وحمى الحمى مثل خالد أحد؟ وهل قائد عبر الزمان والمكان كان يثير في نفوس أتباعه من الحماسة، وفي قلوب أعدائه من الوهن مثلما صنع خالد؟ ووالله كأن "أبا الطيب" ما عنى غيره حين قال:
بعثوا الرعب في قلوب الأعادي فكأن القتال قبل التلاقي
ولعل هذا البيت من أوضح الأبيات في تجلية معنى الحرب النفسية وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ونصرت بالرعب" لا يقارن بشيء ولا يقارن به شيء.
2- عود إلى نبع التاريخ
يقول الأستاذ أحمد عادل كمال معلقاً على معركة اليرموك ونتائجها: "هذا مصير أكبر جيش استطاع هرقل الروم أن يجمعه، كان عدده (200000) قتل في المعركة (50000) وتردى في الهاوية (80000)، واستطاع الفرار تحت جنح الليل (40000)، ومعنى هذا أن الفرسان الذين أفسح لهم خالد طريق الهروب أثناء المعركة كانوا نحواً من (30000). وأصبح خالد من تلك الليلة وهو في رواق قائد الروم، وقتل صناديدهم، ورؤوسهم وفرسانهم وقتل أخ لهرقل اسمه ثيودوروس".
3- المطاردة
فلما أصبحوا يوم الثلاثاء 6 من رجب 15هـ 13 أغسطس آب 636م أتي خالد بعكرمة جريحاً فوضع رأسه على فخذه، وبعمرو بن عكرمة فوضع رأسه على ساقه، وجعل يمسح عن وجهيهما ويقطر الماء في حلقيهما. ثم خرج خالد في الخيل يتعقب الفلول الهاربة ويقتلهم في كل واد وكل شعب، حتى انتهى إلى دمشق فخرج إليه أهلها فاستقبلوه وقالوا له: نحن على العهد الذي كان بيننا وبينكم. فقال لهم خالد: أنتم على العهد. ومضى يتعقب الجيش الهارب حتى أدركهم بثنية العقاب وهي تهبط منحدرة إلى الغوطة.. فالغوطة، وتقدم إليهم الأشتر النخعي في رجال من المسلمين فإذا رجل من الروم عظيم جسيم فتضاربا فتعانقا فتدحرجا عن صخرة، حتى استقرا في منحدر فوثب الأشتر على الرومي فقتله وصاح بالمسلمين أن يجتازوا وانهزم الروم ثانية. وكان بلاء الأشتر عظيماً قتل 13 رومياً.
وواصل خالد المطاردة نحو الشرق وأشاعوا القتل في الفارين حتى انتهى إلى حمص، وخرج إليه أهل حمص يستوثقون عهدهم السابق فقال لهم: نحن على ما كان بيننا وبينكم، ولبث في حمص ينتظر رأي أبي عبيدة.
كان أبو عبيدة قد شرع في دفن الشهداء رضي الله عنهم ورحمهم، ثم دفنوا قتلى الأعداء. وكان خالد قد أعاد القيادة إلى أبي عبيدة قبل أن يخرج للمطاردة. وذكر المؤرخون الأشعار التي قيلت في اليرموك، ولا مجال لتمحيص ذلك؛ فهناك شعر ينسب لعمرو بن العاص وللقعقاع ولغيرهما. ثم بعث الأمين بالفتح إلى الفاروق، وكان البشير إلى عمر أبا جندل في وفد فيهم قائد الميسرة. وتلقى هرقل كذلك نبأ هزيمة جيشه فنادى بالرحيل إلى القسطنطينية. وجاء كتاب من عمر إلى أبي عبيدة ومضمونه متوقع بالطبع أنهم لم يظهروا على عدوهم بعدد ولا عدة، ولكن بعون الله ونصره.
وأبقى أبو عبيدة باليرموك بشير بن كعب الحميري في خيل ونادى بالرحيل، فارتحل المسلمون حتى ضربوا معسكرهم في مرج الصفر ثم نزلوا دمشق.
كانت نسبة المسلمين (33: 200) أي (1: 6). وهكذا غلبت الفئة القليلة وهذا دأبنا بفضل الله. كانت خطة الروم أن يرموا بثقلهم كله في المعركة ولم يحتفظوا بأي احتياط. على حين رسم خالد خطته التي تتلخص في البدء بالدفاع لكسر موجة هجوم الأعداء ثم التحول إلى الهجوم، وجعل جميع الفرسان احتياطاً وقوة من المشاة في الاحتياط مع أبي عبيدة.
كان خالد يدرك نوعية جنوده؛ كان يعلم أن هجوم الروم سيحدث خللاً، وهذا الخلل يعالج بإعادة التنظيم. يقول القائد الألماني والمحلل الحربي في القرن التاسع عشر: "كارل فون كلاوزفيتز" –وهذا هو محور نظريته في الحرب-: "إن أروع لحظات الدفاع هي لحظة الانتقال السريع والقوي إلى الهجوم كضربة ثأر بسيف صارم بتار، والطرف الذي لا يفكر في هذه اللحظة منذ البداية ولا يدخلها عند نشوب العمليات في مفهوم دفاعه لا يمكن أبداً أن يفهم تفوق الدفاع".
بعد ثلاثة عشر قرناً يكتشف كلاوزفيتز نظرية فعلها خالد على ضفاف اليرموك، لقد كان اختيار الروم لموقعهم اختياراً سيئاً، أرادوا به الحيلولة دون فرارهم فتعذر عليهم إنقاذ جيشهم.
ثلاثة وثلاثون ألفاً من المسلمين استشهد منهم ثلاثة آلاف بنسبة 9% تقريباً، لقد كان جيش خالد (9000) حين قدم من العراق، ولكنه يعود الآن (إلى العراق) (6000)، وهذا يعني أن جيش المسلمين بالشام قد صار عدده (24000) ومهمته الآن استلام الشام. في 23 من رجب بدأ جيش العراق بالعودة ووصلها 14 من شعبان وحسمت القادسية بعد اليرموك بأربعين يوماً.
لم يفقد جيش خالد الثلاثة آلاف، بل إن بعضهم بقي معه في تقدمه نحو حمص.
4- ما بعد اليرموك
وفي دمشق قسم أبو عبيدة الشام على الأمراء فاستخلف: يزيد على دمشق، وعمرو على فلسطين، وشرحبيل على الأردن، وأبو عبيدة مضى إلى حمص. ومن دمشق خرج يزيد إلى السواحل ففتح صيدا وجبيل وبيروت. وقد ركز الروم دفاعهم في طرابلس. وكان المسلمون كلما فتحوا مدينة أبقوا فيها حامية، فإن حدث شيء سربوا إليها المدد. واتجه عمرو إلى فلسطين ففتح سبسطية شمال نابلس (12كم) وفتح نابلس وأعطى أهلها الأمان. ثم فتح اللد ويبنى وعمواس وبيت جبرين حتى رفح. وبعث إليه عمر بفتح كل فلسطين!
وفتح شرحبيل الأردن بيسر، ووصل أبو عبيدة إلى حمص فبعث خالد إلى قنسرين بين حلب وأنطاكية، فقاتل أهلها وزحف إليه الروم بقيادة ميناس وهو أعظم الروم بعد هرقل، فقتل ميناس وأبيد الروم، وتحصن التنوخيون (عرب مسيحيون) بحصونهم فقال خالد: "لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا". فطلبوا صلحاً، وأسلم بعضهم، وبقي أغلبهم على المسيحية.
وبلغ عمر ما فعل خالد بقنسرين فقال: "أمّر خالد نفسه، يرحم الله أبا بكر، فقد كان أعلم مني بالرجال، إني لم أعزله عن ريبة ولكن الناس عظموه فخشيت أن يوكلوا إليه".
ونزل أبو عبيدة إلى حلب فتحصن أهلها، ثم طلبوا الصلح فأعطوه. ثم سار إلى أنطاكية لمتابعة الفتح، وكانت أنطاكية عاصمة السلوقيين من 307 ق.م حتى الفتح الروماني 64 ق.م. ثم صارت مقراً للحضارة الهلنستية. وفيها اتخذ النصارى لأول مرة اسم المسيحيين فأضحت كرسياً رسولياً على رأسه بطرس الرسول (!) حتى انتقاله إلى روما. دمرها الفرس 540م، وأجهزت عليها الزلازل في القرن السادس، واحتلها الصليبيون 1098م، والعثمانيون 1517. حاصرها أبو عبيدة ثم صالحه أهلها، ثم نقضوا العهد ففتحها من جديد حبيب بن مسلمة، ثم أكمل أبو عبيدة تطهير شمال الشام من فلول الروم.
ثم ارتحل هرقل عن كل الشام سنة 15هـ بعد فتح خالد لقنسرين. وكان هرقل حاول لملمة فلوله والاستعانة بهيت (في العراق على الفرات)، ففتحها المسلمون. وسلم على سوريا سلامه المشهور سلام مودع لا يرى أنه يرجع إليك أبداً. واستخلف أبو عبيدة على حمص عبادة بن الصامت قبل أن يمضي إلى بيت المقدس.
5- فتح القدس
بعد أن أتم عمرو تطهير سائر فلسطين لم يبق سوى قيسارية وإيلياء أو بيت المقدس أو القدس. أما قيسارية فهي مدينة ساحلية سبيلها إلى بيزنطة موصول بحراً، وأما القدس فقد صارت جيباً معزولاً.
ولئن كانت لدمشق الأهمية الأولى من الناحية الحربية لحصانتها واعتصامها خلف أسوارها، فقد كان للقدس قداستها وأهميتها الدينية؛ فهي أولى القبلتين ومسرى خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم. (هنا تتجلى بعض حكمة الإسراء وربط المسلمين ببيت المقدس وأثر ذلك في حركة التاريخ!) وكان فتح بيت المقدس سنة ست عشرة، وفيها أتى عمر الجابية.
• أرطبون الروم وأرطبون العرب
كان الروم في حصونهم وخنادقهم وعليهم أرطبون، وكان أدهى الروم وأبعدهم غوراً. وأقام عمرو لا يقدر من أرطبون على سقطة ولا تشفيه الرسل، فولي الأمر بنفسه، ودخل على أرطبون كأنه رسول فأبلغه ما يريد وسمع كلامه وتأمل حصونه حتى عرف ما أراد. وشعر أرطبون بألمعية عمرو وهو لا يعرفه، فقال في نفسه: إن هذا لعمرو أو إنه الذي يأخذ عمرو برأيه، وما كنت لأصيب القوم بأمر أعظم عليهم من قتله. ثم دعا واحداً من حرسه وأسرّ إليه بقتله. وفطن عمرو لما يريد هذا. فقال عمرو: سمعت مني وسمعت منك وما أنا إلا واحد من عشرة بعثنا عمرو نعاونه، فأرجع فآتيك بهم الآن، فإن رأوا في الذي عرضت مثل الذي أرى فقد رآه أهل العسكر والأمير، وإن لم يروه رددته. فقال: نعم. فأسر إلى رجل يأتيه بالحارس الموكل بالقتل وألغى أمره. فخرج عمرو ولم يعد وقال: لا أعود لمثلها أبداً. وعلق أرطبون: هذا أدهى الخلق. وبلغت عمر فقال: غلبه عمرو، لله عمرو.
كان عمرو يحاصر القدس، ولما فرغ أبو عبيدة من تطهير شمال الشام سار إلى عمرو، فطلبوا من أبي عبيدة أن يصالحهم وأن يكون المتولي لعقد الصلح عمر بن الخطاب. فكتب أبو عبيدة إلى عمر.
استخلف عمر علياً على المدينة وسار إلى بيت المقدس وكتب إلى أمراء الشام أن يوافوه بالجابية. ومع قدوم عمر الجابية انفلت أرطبون من القدس فلحق بمصر (قال عمر: لأرمين أرطبون الروم بأرطبون العرب فانظروا عم تنجلي. وفتح عمرو مصر.. وكثر اسم عمرو في مصر، ولله الحمد والفضل والمنة!).
6- صلح القدس
هذا الصلح الذي سارت به الركبان، لا كما فعل بنا أهل الصلبان من تقتيل وخوض في الدماء.
وهذه قطفة من بنود الصلح بعد البسملة: هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها.. ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم.. فمن خرج منهم (أهل إيلياء) فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم.. ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم فإنهم أمنوا على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم.. ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله.. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين..
ثم دخل عمر بيت المقدس.. وصلى الفجر وقرأ في صلاته بسورتي ص والإسراء.
يعلق الأستاذ كمال على سماحة العقد وحب أهل القدس للمسلمين وأهل الشام كذلك، ولكنه ينقل عن فيليب حتي (في تاريخ سورية) قوله "على أن دخول الخليفة المسن إلى القدس راكباً جملاً لابساً رث الثياب لم يترك في الناس أثراً محموداً، وقال حتي عن صفرونيوس إنه قال: حقاً هذا رجس الخراب الذي تكلم عنه النبي دانيال ورآه قائماً في المكان المقدس".
بل هذا قول الغراب المسمى "فيليب حتي" الكذاب. وإذا كان العدل والسماحة رجساً فما الطهر أيها المجرم؟ باختصار هذه صفحة أو لوحة أو لمحة من تاريخنا المشرق المشرف أحببنا أن نستدعيها وأن نستحضرها لنحيي بها العزائم والهمم، فإن وفقنا في هذا فمن فضل المولى. وإلى اللقاء الأخير مع اليرموك في الحلقة السادسة، وعنوانها: اليرموك والروم والروم الجدد!
