كان الخطاب الذي ألقاه عباس أمام الجمعية العامة بليغاً ومشحوناً بالعواطف ، ولكنه ليس تاريخياً ، لأن البدائل عن عشرين سنة من مفاوضات فاشلة هي المفاوضات ؟! نحن أمام بلاغة في وصف المعاناة الفلسطينية بسبب الاحتلال ، ولسنا أمام مواقف سياسية نترجمها على الأرض وفي الميدان لمواجهة الفشل والتهويد والاستيطان .
نعم انتقد عباس الاحتلال وإجراءاته بشدة ، فذكر جدار الفصل العنصري ، والاستيطان ، والحواجز ، واقتلاع الأشجار ، وانتقد الحصار ، والعدوان على غزة ، ولكنه في الوقت نفسه صادر حق الشعب الفلسطيني في المقاومة المسلحة ضد الاحتلال والاستيطان ، وطالب الشعب بالمقاومة السلمية والتظاهرات واعتبر مظاهرات بلعين ونعلين إبداعاً فلسطينياً؟!!
لقد نعى عباس إلى الأسرة الدولية والشعب الفلسطيني المفاوضات على مدى عشرين عاماً مضت ، حيث فشلت في تحديد مرجعية التفاوض ، وحمل (إسرائيل) مسؤولية الفشل بعد أن أقر به بصراحة حيناً وبالتضمين حيناً آخر ، وهذا جيد ، غير أنه ناقض نفسه ، وهدم موقفه ، حين عبر عن جاهزيته لاستئناف المفاوضات من جديد ، الأمر الذي يفهم في السياسة على أن علو نبرة الخطاب وشدتها هي مناورة تكتيكية لأن الموقف السياسي مازال ثابتاً ، وهو المفاوضات ، ثم المفاوضات ؟!!
الخطاب كان جيداً في الحديث عن المعاناة التاريخية للشعب الفلسطيني ، وكان جيداً حين اتهم (إسرائيل) بالتطهير العرقي ، وبالعنصرية ، وبخطر يهودية الدولة على مليون ونصف مليون فلسطيني سماهم (عرب إسرائيل) ، ولكنه افتقر إلى الشجاعة في مواجهة الموقف الأمريكي وتعريته ، وآثر التعميم في خطوة غير موفقة حين قال من لا يعطي صوته للعضوية الفلسطينية هو من لا ضمير له ، وكان الأجدر به أن يجيب مباشرة على خطاب أوباما أمام الجمعية العامة قبل يومين حين قال (الجمعية العامة ليست المكان أو الطريق المناسب لقيام الدولة الفلسطينية، وهي ليست بديلاً عن المفاوضات مع (إسرائيل)).
لقد أكد محمود عباس على تمثيله لكل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج حين ذكر مناصبه رئيساً للدولة ، ورئيساً للمنظمة ، ورئيساً للسلطة، وهذا وضع يستوجب إشراك قادة الشعب في الداخل وفي الخارج فيما أسماه استحقاق سبتمبر ، واستشارتهم ، وأخذ إجماع مسبق منهم ، وهو أمر قفز عنه محمود عباس ، فولد بقفزته هذه شكوكاً كبيرة ، ومواقف متباينة.
وفي الختام لا أعتقد أن المشكلة تكمن في الخطاب من حيث الشكل أو المضمون ، وإنما المشكلة تكمن في الموقف السياسي والقانوني المبدئي من هذه الخطوة (الانفرادية فلسطينياً) أي بدون توافق وطني . وتكمن في تداعياتها ، وتكمن في خطوة اليوم التالي لها ، حيث إن المعلوم منها هو العودة إلى المفاوضات .
بعض المحللين للخطاب قال : لقد تقدم السن بمحمود عباس ، وبلغ درجة اليأس من الموقف الأمريكي ومن الموقف الإسرائيلي ، فجاء خطابه على هذا النحو من العاطفة وعلو النبرة وكأنه يريد أن يودع العمل السياسي ، وقد جاء خطاب نتنياهو بعده مباشرة يرد عليه بعنف أكبر وأيديولوجيا أعمق ، ولكني لست مع من يقول بأنه خطاب وداع.

