يبدو في السياسة الفلسطينية المعاصرة عجز حقيقي عن تعريف الفشل، وتعريف البطولة أيضًا. بعض أهل فلسطين يقرؤون في (سبتمبر 2011) إعلان فشل ضمني لعشرين سنة مفاوضات. وبعضهم يرى أن القيادة تقدم نموذجًا للبطولة في إدارة معركة الصراع مع الاحتلال سياسيًا؟! لا أحد فيما أحسب من ذوي الأهواء يمكنه الفصل في هذا النزاع المحتدم؟!
محمود عباس بطل فلسطين، بطل سبتمبر2011! محمود عباس تحدى تل أبيب وإدارة أوباما، ودافيد هيل، ودينس روس، وكاثرين أشتوت، وغضب من العروض السخيفة التي تقدموا بها وقرر الذهاب إلى مجلس الأمن قبل الذهاب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، حتى ولو غضبت واشنطن واستعملت الفيتو. مصالح الوطن فوق المال والإملاءات. هذه هي البطولة السياسية بدمها ولحمها. البطولة أن تقف على الثوابت وقوف الجبال الراسيات الشامخات. سبتمبر ميدان للبطولة السياسية، لا للهروب السياسي كما يزعم الآخرون.
كان عرض (هيل-وروس) سخيفًا. هو تضمن استئناف المفاوضات فورًا حول الأمن والحدود. واعتماد حدود الدولة في ضوء الاحتياجات الأمنية لـ(إسرائيل)، وحدود 67 مرجعية المفاوضات مع مراعاة التغيرات الديمغرافية والجغرافية التي حدثت خلال 44 عامًا. الانسحاب محكوم بالجاهزية الأمنية لرجال السلطة، والدولة منزوعة السلاح، ولـ(إسرائيل) حق الدفاع الساخن والمباشر، والاعتراف بـ(إسرائيل) وطن قومي لليهود، وحل قضية اللاجئين داخل حدود دولة فلسطين الجديدة.
في زعم نبيل شعث عباس رفض هذا، وغضب، وقرر الذهاب إلى مجلس الأمن، وفي رأي من لا يقرون له بالبطولة، ويرون عمله نوعًا من الهروب من الفشل بالتقدم نحو الأمام، أن مجلس الأمن لن يمرر الطلب إما بالفيتو، وإما بعدم توفر (9 أعضاء مؤيدين)، وسيحال الأمر إلى الجمعية العامة، وستطلب واشنطن تأجيل النقاش لزمن قادم واستئناف المفاوضات، ويقول أصحاب هذا السيناريو إنه سيناريو متفق عليه بين عباس والإدارة الأمريكية للخروج من المأزق.
كل شيء ممكن، والسياسة هي علم المساومات والمقايضات، وفي (إسرائيل) يقولون إن سبتمبر (جلبة على لاشيء) بحسب (ألون بنكاس – في معاريف).
نعم (سبتمبر) جلبة، وضوضاء سياسية وإعلامية، ومواقف متقاربة وأخرى متباينة، وتحليلات، وجلسات حوار ونقاش، وبطولة ولا بطولة، وحديد يحتك بحديد، والأمر لا يعدو عن (جلبة لا شيء وراءها)؛ لهذا فإن عامي أيلون، الرئيس السابق للشاباك، يطلب من نتنياهو تأييد مشروع محمود عباس، وهناك توقيع لخمسمائة أكاديمي ومتقاعد من الجيش يطلب الطلب نفسه، وباراك لا يرى في سبتمبر مشكلة كبيرة، بينما يرى في الثورات العربية تسونامي يجب الاستعداد لمواجهته.
في ضوء ما تقدم من رصد معلوماتي وإخباري نعرف أن البطولة في فلسطين معضلة، وأن جهابذة التعريفات لا يسبرون لها غورًا، وأن الفشل في فلسطين لا تعريف محدود له وأن حابل الأمور مختلط بنابلها، وقد يصد الفشل بطولة، والبطولة فشلاً، وقد نخرج من سبتمبر بخفي حنين، ونقول يكفي أننا كشفنا الغطاء عن واشنطن وعريانا تل أبيب، والسياسة عمل تراكمي، وعلينا الاستعداد للجولة القادمة.
