قال السخاوي (ت902هـ) في فاتحة كتابه "الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ": "الاشتغال بفن التاريخ، للعلماء، من أجلّ القربات، بل من العلوم الواجبات".
ويقول الأستاذ محمد قطب في كتابه: "كيف نكتب التاريخ الإسلامي" -تحت عنوان: "لماذا نعيد كتابة التاريخ؟"-: "والتاريخ أمانة، وشهادة تؤدى لله، لا يؤثر على أدائها حب أو كره.. والمؤرخ المسلم مطالب أن يتحرى الحق ويبذل جهده للوصول إليه، دون مداراة ولا محاباة، ولا ظلم".
ثم نبه الأستاذ محمد قطب إلى منهج التعاطي مع التاريخ الإسلامي، فقال: "ليس التاريخ الإسلامي هو التاريخ السياسي. هذا أمر. وليس تاريخ الدولة الأموية، أو العباسية أو المماليك.. إنما هو تاريخ "الأمة الإسلامية".
وأمر ثالث أن هذه الأمة لها خصوصية هي أن الله لا ينصر هذه الأمة إلا حين تتخذ الأسباب من خلال توكلها على الله. هذه الخصوصية هي التي تميز تاريخ هذه الأمة عن تاريخ (باقي الأمم).
وكل أمة من أمم الأرض تعتبر درس التاريخ من دروس التربية للأمة، فتصوغه بحيث يؤدي مهمة تربوية في حياتها..
وإن من بدهيات التوجيه التربوي لدراسة التاريخ الإسلامي أن يخرج أجيالاً مسلمة تعرف حقيقة دينها وتستمسك به وتعمل على إحيائه في نفوسها وفي واقع حياتها.. أما فترة الانحسار فهي في حاجة إلى التفاتة خاصة عند إعادة كتابة التاريخ! ص11-34.
أحببت أن أفتتح هذه الحلقة من حلقاتنا عن اليرموك ضمن سلسلة "دمشق وسوريا".
ونواصل في هذه الحلقة التي أرجو أن تكون قبل الأخيرة الحديث عن معركة اليرموك كما فصلها وحللها وقارن بين رواياتها ورجح ما رآه الأرجح، الباحث الأكاديمي والعسكري والمؤرخ أحمد عادل كمال رحمه الله، ورأينا في السابقات عزيمة خالد وتصميمه، وكيف رجح براجح رأيه المواجهة حيث هم، أو في وسط ما حازوه، بعد أن انسحبوا من بعض (حمص ودمشق) وأبقوا على بعض في أيديهم (فلسطين والأردن). ورأينا عقلية خالد العسكرية الفذة المبدعة وتغيير الخطة بناء على معطيات اللحظة، والرؤية الواقعية، وكيف يوجد الفرصة، أو يستغلها إن وجدت. ومعنوياته التي يحتفظ بها حتى في أقسى وأقصى الظروف حرجاً.
ونواصل مع أحمد عادل الذي قال عن خالد: يريد أن يتسلم موازين المعركة فيصرفها كيف يشاء. خالد فكْر في الحرب ونظر عميق وأعصاب هادئة وثقة في النفس وفيمن يقود. "وهو كذلك جاءه رجل يقول: ما أكثر الروم وأقل المسلمين. فقال خالد: ما أقل الروم وأكثر المسلمين. إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال. والله لوددت أن الأشقر (حصانه) معافى وأن الروم أضعفوا في العدد.
هجوم على ميمنة المسلمين
كانت صفوف الروم ما زالت تتقدم، وأقبلت كقطع الليل، وواضح أن أقرب قطعاتهم توشك أن تنقض على ميمنة المسلمين، حتى إذا حاذوا الميمنة صاح معاذ بن جبل، "يا عباد الله المسلمين، إن هؤلاء قد تجهزوا للشدة عليكم، ولا والله لا يردهم إلا صدق اللقاء والصبر في البأساء" ثم نزل عن فرسه وقال: من أراد أن يأخذ فرسي ويقاتل عليه فليأخذه.
آثر أن يقاتل راجلاً مع المشاة. فوثب إليه ابنه عبد الرحمن غلام، فقال: يا أبت إني لأرجو أن أكون أنا فارساً أعظم غناء عن المسلمين مني راجلاً، وأنت يا أبت راجل أعظم غناء منك فارساً، ومعظم المسلمين رجّالة، وإذا رأوك صابراً محافظاً صبروا وحافظوا" فقال معاذ: "وفقني الله وإياك يا بني".
وجاء رجل إلى أبي عبيدة فقال: إني قد أردت أن أقضي شأني (بالشهادة) فهل لك إلى رسول الله حاجة؟ فقال أبو عبيدة: نعم، تقرئه مني السلام وتخبره أنّا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً.
واقتربت صفوف الروم حتى سمع المسلمون رهبانهم يخطبون، فكان معاذ يقول: اللهم زلزل أقدامهم وأرعب قلوبهم، وأنزل السكينة علينا وألزمنا كلمة التقوى وحبب إلينا اللقاء ورضّنا بالقضاء.
وجال باهان في جيشه ثم وقف بين جنوده وأمرهم بالصبر والقتال، ثم بعث إلى قائد ميسرته أن يحمل على ميمنة المسلمين، وعليها معاذ، فشدوا على المسلمين وفيهم من العرب: مذحج والأزد وحضرموت وحمير وخولان (جلهم من اليمن)، وثبت المسلمون وقاتلوا طويلاً، فتكاثر عليهم الروم فزال المسلمون عن مواقفهم من الميمنة إلى ناحية القلب، وثبت قسم عظيم يقاتلون لا يتزحزحون، فنهنهوا من تجاههم من الروم وشغلوهم عن تعقب من انكشف من المسلمين. ورجعت جماعات أخرى ممن زالوا حتى استردوا مواقفهم. وأما الذين استمروا في توجههم نحو المعسكر فاستقبلتهم النسوة بعمد الخيام.. وهن ينشدن يقرعنهم.
واشتد القتال والقتل في الأزد، فأصيب منهم ما لم يقتل في غيرهم، وقتل من وجوههم عمرو بن الطفيل وجندب بن عمرو قتل وهو ثابت يقول: "يا معشر الأزد إنه لا يبقى منكم ولا ينجو من القتل والإثم والعار إلا من قاتل" وكان أبو هريرة من رؤوس الأزد وهو يقول: "تزينوا للحور العين، وارغبوا في جوار ربكم".
يروي الراوي من أرض المعركة يقول: ما رأيت موطناً أشد من ذاك الموطن، وكان جل القتال في الميمنة، والقلب يلقى مثل ما نلقى، لكن حنقهم علينا، وقد دخل عسكرنا منهم نحو من عشرين ألفاً فعصمنا الله من أن نزول. واضطربت ميمنة المسلمين إلى القلب فصارت الميمنة والقلب شيئاً واحداً. فحمل خالد على الروم فقصف بعضهم على بعض. وقتل منهم نحو عشرة آلاف، وخرج خالد في جيشه يطرد الروم الذين دخلوا المعسكر. ثم نادى خالد في الجيش: يا أهل الإسلام، لم يبق عند القوم من الجلد والقتال والقوة إلا ما قد رأيتم، فالشَّدة الشَّدة، فوالذي نفسي بيده ليعطينكم الله الظفر عليهم الساعة. إني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم" فجعل لا يسمع هذا القول من خالد أحد من المسلمين إلا شجعه عليهم.
هجوم على الميسرة
كان على ميمنة الروم جرجير قائد الأرمن وابن قناطر، فحملا على ميسرة المسلمين وجرى لها ما جرى للميمنة، فقد انكشف المسلمون ودخل الروم معسكرهم، واستقبلت النسوة المنهزمين بالعمد، فعاد المسلمون إلى صفوفهم.
وكان ممن تكلم من قادة المسلمين أبو الأعور السلمي، وحبيب بن مسلمة، وكان يزيد بن أبي سفيان من أعظم الناس غناء وأحسنهم بلاء هو وأبوه جميعاً.
وقاتل الجميع وسمعت أم حبيبة ابنة العاص تقول: قبح الله رجلاً يفر عن كريمته. وقاتل القلب قتالاً شديداً وفيه شرحبيل وسعيد بن زيد وكان يقول: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" وكان أبو عبيدة من وراء ظهورهم. لم ينكشف القلب. وبقيت مقاومات خلف الصفوف لقوات الروم التي استطاعت النفاذ إلى الخلف. وقال عكرمة: قاتلت رسول الله في كل موطن وأفر منكم اليوم؟ من يبايع على الموت؟ فبايعه أربع مئة فيهم ضرار بن الأزور فاستبسلوا حتى أصيبوا جميعاً.. بين شهيد وجريح. وقاتلت جويرية بنت أبي سفيان وكانت مع زوجها وأصيبت بعد قتال شديد. وأصاب سهم عين أبي سفيان، وثبت سعيد بن زيد مثل أسد.
الهجوم المضاد
ضم خالد خيله بعضها إلى بعض، وكان في نصف فرسان المسلمين خلف جناحهم الأيمن في حين كان قيس بن هبيرة في نصفهم الآخر خلف جناح المسلمين الأيسر. وقد بلغت هجمة الروم ذروتها وتدفقوا من وراء الجناحين نحو معسكر المسلمين وفيه نساؤهم. إلى هذا الوقت وخالد وقيس لم يقاتلا. كانوا يرقبون ما يجري وينتظرون اللحظة الحاسمة التي تتضعضع فيها صفوف الروم كما تتكسر الموجة على صخور الشاطيء. حينئذ زحف خالد في فرسانه إلى الروم حتى تصافحوا بالسيوف، وكان جرجة (الذي أسلم) يصاحب خالداً ويضرب معه من ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للمغيب، وفرق الله بخالد جموع الروم، وما بلغ الروم مكان خالد إلا وقد أنهكهم التعب (يعني أن الخطة نجحت وسارت كما خطط خالد وتوقع) وهنا تكمن روعة التخطيط واختيار اللحظة لتحويل الدفاع إلى هجوم. يقول أحد جند الإسلام في المعركة: "وشددنا على من يلينا من رجالتهم فانكشفوا وأتبعناهم نقتلهم كيف شئنا ما يمتنعون من قبل ميمنتنا بميسرتهم".
وذهل درنجار وقد رأى مصير هجومه الكاسح كيف صار أمره. لقد كان هجومه بالمشاة والفرسان، أما الفرسان فكانوا أسرع فتوغلوا نحو معسكر المسلمين في الخلف، وأما المشاة فقد اكتسحتهم فرسان خالد وقتلت منهم (6) آلاف في رواية أو (10) في رواية. وارتد من استطاع منهم في حالة من الذعر والفوضى ما يمتنعون من القتل. وتفرق الفرسان بعد. وصدم الدرنجار وانهارت معنوياته وصار يردد هذا يوم سوء، وغشيه المسلمون فقتلوه، وقال خالد: كنت أحب أن أراه. كذلك فعل قيس بن هبيرة بخيله في الميسرة، اعترض الروم وقصف بعضهم على بعض وتعقبهم المسلمون فكان الحال في الميسرة مثله في الميمنة.
صلى المسلمون الظهر والعصر إيماء أثناء القتال. ومع تضعضع الروم نهد خالد بالقلب (قصد إليه) حتى حال بين خيلهم ومشاتهم. وكان الميدان ضيق المهرب، فلما وجدت خيلهم مذهباً ذهبت وتركت مشاتهم وخرجت خيلهم تشتد في الصحراء.. ولما رأى المسلمون خيل الروم توجهت للهرب أفرجوا لها ودعوها تهرب. وأخر المسلمون صلاة المغرب إلى ما بعد الفتح. وأمر خالد عكرمة والقعقاع وكانا على مجنبتي القلب فبدءا الهجوم المضاد الشامل.
انهيار الروم
هجم خالد وقيس بن هبيرة، وزحف المسلمون إلى الروم، حتى إذا دنوا منهم إذا هم ينتفضون من الرعب، فإن الجندي يصاب بالذعر إذا وقع عليه هجوم من الجنب أو من الخلف (في حرب 67 فوجيء الجنود باليهود يأتونهم من خلف صفوفهم!). ولذلك فإن الأجناب والمؤخرة هما أفضل الاتجاهات لتوجيه الهجوم. وبعث أبو عبيدة لسعيد بن زيد ليشد عليهم. وشد المسلمون بأجمعهم وكبروا ثم صكوهم صكة واحدة طعناً بالرماح وضرباً بالسيوف حتى ولوا ظهورهم. قال سعيد بن المسيب عن أبيه: لما جلنا هذه الجولة سمعنا صوتاً قد كاد يملأ العسكر يقول: "يا نصر الله اقترب، الثبات الثبات يا معشر المسلمين" فنظرنا فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه. واقتحم خالد على الروم ودفعهم إلى الواقوصة (سوء اختيار المكان من قبل الروم!) وهو نهر الرقاد جهة التقائه باليرموك.. حتى هوى في الواقوصة المقترنون بالسلاسل، وكيف يصمدون بعد يوم كامل في القتال وتقهقر، وبعد هزيمة ساحقة ذهبت بروحهم المعنوية، ومع القيد في السلاسل، والانحصار في مزنق (زنقة) ليس له مخرج؟ فتهافت في الواقوصة (120) أو (80) ألفاً سوى من قتل بالمعركة وهم (40) ألفاً أو (50) ألفاً.
كان ميدان القتال هضبة مستوية يحيط بها اللِّهب (الهاوية) من جهات ثلاث هي وادي الرقاد ووادي اليرموك ووادي علان. والمخرج الوحيد هو الذي سده المسلمون.
انهار الروم تماماً واتبعهم المسلمون يقتلونهم. وسمى المسلمون تلك الأهوية الواقوصة لأنهم وقصوا فيها. وما زالت القرية التي تواجه ذلك الموقع تحمل اسم "الياقوصة" هذا مصير أكبر جيش استطاع هرقل الروم أن يجمعه.
ولليرموك جولة أخرى أو أخيرة.
