من الواضح والمعلوم بالضرورة أن العقيدة الأمنية بالكيان الإسرائيلي قائمة بلا شك على اضغاف الأخرين والتفرد بعناصر القوة ،والمحافظة على أعلى مرتبة ممكنة من التسلح غير التقليدي، لتحتفظ لنفسها بالتطور التكنولوجي بالمنطقة على حساب غيرها من دول الجوار وبالتالي يكون بمقدورها توجيه السياسة العامة على الصعيد الإقليمي بما يخدم مصالح الكيان ومستوطنيه.
ومن هنا كان اهتمام قادة الكيان بكافة الجوانب التي من شأنها أن تخدم الفكرة تلك، بما في ذلك دول الجوار فحاولوا تكبيلها بتفاهمات ثنائية أو اتفاقيات دولية ،وفي ذات الإطار جاءت اتفاقية ( كامب ديفيد ) الموقعة بين جمهورية مصر العربية و(إسرائيل) سنة (1978) وأطلق عليها في حينه تسمية معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية والتي تم في ثناياها تقييد مصر وإلزامها بحق الاحتفاظ بأعداد معينة وقليلة من جيشها في شبه جزيرة سيناء الصحراوية التي تبلغ مساحتها (60.088) كم ،ويسكنها فقط قرابة (400.000) نسمة ،ولقربها من الكيان وامتداد أراضيها بمحاذاة القوم فإنها تقع ضمن دوائر الاهتمام البالغ لأجهزة الأمن والاستخبارات الصهيونية.
في العقود القليلة الماضية وأثناء حكم الرئيس المخلوع مبارك لم تكن (إسرائيل) قلقة من خطر يتهددها قادم من سيناء وذلك بفضل إخلاص النظام السابق وسهره على مصالحها، أما اليوم وبعد سقوط النظام واندحار قادته ورموزه- ولو نسبيا - أخذت حكومة الكيان تتحسب لما قد يحدث بالمستقبل ،لذا فهي تراقب عن كثب كل التحركات والسكنات تحديدا في جنوب سيناء وقرابة المواقع الحساسة مثل أماكن ضخ الغاز وخطوط الأنابيب المؤدية للكيان.
ولا أستبعد أن تكون العملية العسكرية التي حدثت في أواخر شهر آب أغسطس الماضي بمدينة أم الرشراش (ايلات) جزءا من مؤامرة كبيرة تحيك (إسرائيل) خيوطها بليل بهيم بمساعدة أطراف إقليمية ودولية في ظل محافظة على سرية معلوماتها وإخفاء معالمها وخطوطها العريضة ،بغرض إقناع الدول الكبرى والمؤسسات الدولية بخطر داهم يتهدد كيانها ويهدد أمن موطنيها مقره سيناء قد ينفلت في أي لحظة، أو على الأقل ربما هيئت العملية المذكورة الأجواء العامة ،ورسخت في الأذهان خطر سيناء على الكيان.
ومن هذا المنطلق فإن (إسرائيل) تلعب على المتناقضات ،وتحب أن تستغل كل ما يمكن استغلاله لتحقيق أمنها المزعوم وتأمين حدودها مع مصر من خلال عدة سيناريوهات تعكف الدوائر الأمنية والسياسية والعسكرية في الكيان على دراستها بدقة متناهية ،واذا أردنا أن نتحدث عن أكثر هذه السيناريوهات احتمالا نجدها تتمركز حول أمرين أثنين أحدهما تكتيكي والأخر استراتيجي تسعي (إسرائيل) لتنفيذه على المدى البعيد.
أما الأول:
فيتمثل باحتلال أجزاء من سيناء لإقامة حزام أمني على مدى الحدود، وهو ما حذرت منه أوساط أمنية مصرية حيث صرح الخبير الأمني المصري اللواء سامح سيف اليزل بأن (إسرائيل) لديها خطة لعبور الحدود المصرية والسيطرة على مسافة تتراوح ما بين خمسة وسبعة كيلومترات من شبه جزيرة سيناء بحجة تأمين حدودها مع مصر ،وتحظي هذه الخطة بمباركة من القوى الدولية وتأييد من الولايات المتحدة الأمريكية التي سرب لها رجالات وجنرالات جيش (إسرائيل) هذه الخطة واقنعوا صناع القرار بها، بدعوى حفظ الأمن واستقرار الحدود، بعدما غاب عن ساحة الحكم بمصر من كان يراعى مصلحة الكيان بكل قراراته السياسية ومخططاته الإدارية.
والسيناريو الثاني وهو خيار استراتيجي يخطط له قادة الكيان أملا منهم بتحقيقه – ولو جزئيا – وعلى المدى البعيد وقد كشف موقع (ويكيليكس) عن العديد من الوثائق شديدة الخطورة فحواها أن الولايات الأمريكية علمت بل أيدت مخطط إسرائيلي كامل ومتكامل ،لمساعدة مجموعة من البدو – غرباء عن سيناء- ربما ذات أصول وجنسيات مصرية ويدينون باليهودية ،للقيام بثورة مسلحة وقلاقل وإشاعة نوع من الفوضى بوسط وشمال سيناء بهدف فصل شبه الجزيرة نهائيا عن جمهورية مصر العربية ومن ثم إقامة دويلة صغيرة فيها تكون موالية تماما (لإسرائيل) وتدور في فلكها السياسي على أن تقوم الأخيرة بحمايتها عسكريا وتوفر لها الغطاء الدولي والدعم المادي والمعنوي كدولة صديقة.
وفي ظل تلك التوقعات والسيناريوهات الخطيرة جدا التي تهدد ليس فقط سيناء أو مصر بمجملها ولكن الأمن القومي لوطننا العربي وأمتنا الإسلامية بأسرها ،لأن في ذلك تكرار لتجربة فصل جنوب السودان عن الدولة الأم وبالتالي تقسيم المقسم وتجزيء المجزأ وتفتيت الدول العربية إلي دويلات صغيرة لا تقوى على حماية نفسها فضلا عن توفير الأمن والحماية لرعاياها، فهل تعي وتدرك القيادة المصرية الحالية تلك المخاطر والتهديدات وتعمل بكل ما أوتيت من قوة ،وتبذل ما بوسعها -بما في ذلك طرد السفير وتجميد الاتفاقيات الثنائية- بغرض حماية المواطن المصري والمحافظة على وحدة الأراضي المصرية وحتى لا يؤتي الأمن العربي من قبلها ،خاصة ونحن نتنسم عبير الرياح التركية في تغيير المعادلة السياسية في العلاقات مع الاحتلال.


