يوم اليرموك من أجلّ وأعظم أيام الله. فقد نصر الله فيه الحق وجنده على الباطل وجحافله، وأخلى الروم بقعة عربية كانت تحت سيطرتهم، وكان يجمع غالب أهلها والروم جامع الدين المسيحي، لكن كان يباعدهم عنهم ظلم الروم لهم ومعاملتهم لهم على أنهم رعايا من مستوى "دون" مستوى الروم، وابتزازهم واستغلالهم وعدم احترام إنسانهم رجلاً أو امرأة. وكان جندهم يعيثون في الأرض فساداً في البلاد التي تتبع لهم.
والمعارك والحروب في التاريخ تفوق الحصر والإحصاء والمتابعة، لكن جلها لا يستحق الذكر لأنه لا ينبني على نصر طرف على طرف شيء لا في صالح الإنسان ولا في صالح الكوكب ولا في صالح القيم.. ففيم تشتعل وتستعر كل تلك الحروب؟ إنه فائض القوة. ونية التوسع والاستعباد والاستعمار ونهب مقدرات وثروات الشعوب. حتى جاءت فتوح الإسلام التي ما كانت إلا لتحرر الإنسان وتقر العدل والإحسان، وترفع الظلم الذي ملأ الأرض وطبق الآفاق. وكلمة ربعي التي لا أملّ من تردادها، وهي كلمة حق مطابقة للواقع وليست كلمة المداهنة والنفاق والكذب الأمريكية التي زعمت تحرير العراق وتخليصه من الحاكم الجائر المستبد ونشر الديموقراطية فيه. وإذ بنا نفاجأ، (أو لا نفاجأ)، بمعاكسة كل شيء من الشعارات الجوفاء. فلا أمن ولا حرية ولا ثروة ولا سيادة ولا قيم، ولا إنسانية ولا عدل، ولا ديموقراطية ولا حتى كهرباء، ولا خدمات.
أقول إن "الشوشرة" على الفتوح الإسلامية مجرمة مغرضة، وهي من العدو قد تفهم، ولكن من بني العروبة والإسلام لا تقبل أن توصف إلا بأنها خيانة.
إنّ حربنا وجهادنا –فعلاً وحقيقة- ابتعاث من الله لتحرير العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
وإنما كتبت هذه السلسلة من الحلقات التي قد تصل الثلاثين عن دمشق ما كتبتها إلا حباً في دمشق وسوريا ونصرة للمظلومين. وغطيت فيها التاريخ والجغرافيا والسياسة والماضي والحاضر والمستقبل واللغة في كل ذلك.
وأكتب هذه الكلمات وأنْبَاء عن حشود من الدبابات والناقلات والراجمات التي ما رأيناها حركت أو تحركت منذ العشرات الطويلة من السنوات، وإذ بها تتحرك ووجهتها مدن سوريا حماة وحمص والرستن وإدلب والباب ودير الزور والقامشلي..الخ. واليوم التكثيف على حماة، لأن لكل مدينة يوماً، وكأن حماة لم يكفها ما لاقت سنة82، حتى تجدد مأساتها مأساة العصر.
أقول: بينما كانت العقيدة القتالية للجيش الإسلامي الذي أنشأه المصطفى وأتم مهمته الصديق والفاروق.. بينما كانت عقيدته القتالية نصرة الدين وتحرير المغتصب من بلاد العرب، ونشر العدل، وحماية الأرض والعرض، إذ بالعقيدة القتالية تصبح كما قال "الصالح" في اليمن حماية النظام. وعجيب أن تحتاج كل دولة إلى جيش يكفي لتحرير فلسطين من أجل حماية كرسي غلط وسياسة غلط ومناهج غلط. إذاً فيم كل هذا الهدر والتبذير؟
اليرموك يوم مجيد.. عز فيه العرب والمسلمون. وتحررت فيه بلاد الشام. أسأل الله للشام أن تعود شامة الدنيا كما كانت وأن تكشف عنها الغيمة السوداء والغمة الظلماء التي تخيم وتجثم على البلاد والعباد.
أحببت في هذا الظلام والقتام والغمام أن أضيء شمعة من شعلة الماضي ليمتد شعاعها إلى ظلمة الواقع ولنرى قبح الواقع في مرآة التاريخ فإلى صفحة المجد على ضفاف اليرموك الذي خلدته وأدخلته التاريخ هذه المعركة.
رواية التاريخ لمعركة اليرموك
قال الأستاذ المؤرخ العسكري أحمد عادل كمال في كتابه السفر القيم النفيس: "الطريق إلى دمشق" قال: لم يصمد الروم في بعلبك. ولم يدافعوا دفاعاً جاداً عن حمص.. لماذا؟ هل كانت تنقصهم القوات؟ بل كان الأمر عكس ذلك. فبعد الهزائم المتكررة التي مني بها الروم، كان هرقل ما زال مقيماً بعيداً في أنطاكية يحشد قواته، ويبعث بها إلى القتال. وفي سبيل ذلك كانت الأخبار تذكر أنه يذهب إلى الجزيرة أو يظهر في حمص. (أحسن من الذي لا يظهر في حمص!)
لذلك نذهب (يقول كمال) إلى أنه بعد سقوط دمشق، وربما قبلها أيضاً، أراد ألا يقذف بما لديه من جنود حتى يتم حشد أكبر قوة يستطيعها ليدخل بها معركة كبيرة فاصلة تعيد إليه هيبته ومكانته.. تماماً كما فعل إمبراطور فارس يزدجرد في القادسية. أرسل هراكليوس (هرقل بالتعريب) إلى بيزنطة عاصمة دولته وإلى كل من كان على دينه من جنوده ومن الأهالي في الجزيرة وفي إرمينية، وكان استردهما من فارس، وكتب إلى عماله أن يحشدوا كل من أدرك الحلم من أهل إمبراطوريته، في تجنيد إجباري. كذلك كتب إلى روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية الغربية، وهي لم تكن تحت سلطانه.. ولكنه استعان بها في موقفه العصيب، وهو يرمي بآخر سهم في جعبته لدفع الخطر الداهم. يقول الرواة: فأقبل إليه من الجموع ما لا تحمله الأرض. (هذا يدل على أن الدولة لم تكن كما يحاول المشككون أن يصوروا أنها متداعية متهالكة ليقللوا من أهمية نصر الأمة الإسلامية، وأنهم انتصروا على ميت. وكذبوا. إن دولةً وإمبراطوراً يستطيعون تحشيد مئات الألوف دولة ما تزال على قوة وسيطرة ونظام. إن مجرد تموينهم يحتاج إلى ما ذكر من السيطرة والتمكن).
وتتفاوت أقوال في أعداد جند الروم وأقلها مئة ألف وأعلاها أربعمئة، وأما المسلمون فكانوا في أعلى تقدير قرابة الأربعين ألفاً فيهم ألف من الصحابة ومئة من أهل بدر.
كان هرقل وصلب جيشه في أنطاكية يريد الانسحاب من سوريا إلى بلاده وتأبى عليه بطارقته من الروم. وأهل قنسرين وأهل الجزيرة (منطقة الجزيرة في الشام!) وكانوا يطالبونه أن يسير بهم إلى قتال المسلمين وهو يأبى. وأخيراً قالوا له: فاعقد لرجل وسيرنا معه. فعزم على محاربة المسلمين. فإن ظهروا وإلا عاد أي هرقل إلى بلاد الروم فأقام بالقسطنطينية. (هنا فرق مهم بين المسلمين وبين الروم. أن المسلمين لا بديل عن النصر في نظرهم بأمر الله إلا النصر! وهؤلاء يضعون خطة انسحابهم سلفاً!) وكما فعل يزدجرد الثالث في فارس حيث ولى رستم قيادة جيشه بالقادسية، دعا هرقل قائده باهان (ماهان) وكان من عظماء الروم وأشرافهم فولاه قيادة هذا الجيش اللجب، ووجه معه القواد والجنود وسخا عليهم (من السخاء لا من غيره!) فأمر لهم بالجوائز، فأعطى لباهان وأعطى لكل أمير مئات الألوف.. ثم سيرهم إلى المسلمين.
أبو عبيدة يستشير
قدمت عيون أبي عبيدة فأخبروه بجمع الروم وخطاب هرقل فيهم وافترى (كأنه أحد قادة أمريكا يفتري عن المسلمين ويقوم بحملة دعائية تغطي حملتهم العسكرية! كذا صنع هرقل ولا نفصل!)
ورأى أبو عبيدة ألا يكتم جنوده، فدعا رؤوس المسلمين ليسمع رأيهم وخطب فيهم. وطرحت عدة آراء ليزيد وشرحبيل وميسرة وأبو عبيدة.. ولا مجال للتفصيل.
ولما عزم أبو عبيدة على المسير وترك حمص رد الجزية إلى أهل حمص فقالوا: ردكم الله إلينا (لما رأوا من عدلهم!) وبعث أبو عبيدة سفيان بن عوف إلى أمير المؤمنين عمر. وبعث عمر إلى أبي عبيدة برد جواب ومدد. وخلاصة كتاب عمر أنه ليس بالجمع الكثير كان يتنزل النصر. وألْحق سعيد بن عامر بأبي عبيدة فوصل قبل المعركة.
وجاءت جحافل الروم فدخلت حمص التي أخلاها المسلمون وحاولت الالتفاف على المسلمين ولكن المسلمين لم يتجهوا إلى دمشق كما توقع الروم بل انسحبوا باتجاه الحولة، نحو الجنوب.
وإن المسلمين لكذلك يتدارسون أمرهم إذ بكتاب يأتي من عمرو بن العاص أن كثيراً ممن صالحناهم من أهل الأردن قد نقضوا العهد. وقد جرأهم نبأ انسحابكم عليّ وعلى من قِبلي (يعني أن الموقف قد غدا بالغ الصعوبة والخطورة.) فطمأنه أبو عبيدة أنه قادم إليه بجماعة أهل الإسلام، وأن يحرض الناس ويعدهم بالنصر ويأمرهم بالصبر. فعسكر عمرو بين الأردن وفلسطين ليعيد ضبط المنطقتين. وراسل عمرو أهل إيلياء (بيت المقدس) وأهل الأردن.. ليوقف حملة الإرجاف. ولما بلغ أهل إيلياء أن المسلمين غادروا حمص ودمشق عادت لهم جرأتهم بعد مكاتبة لعمرو هددهم فيها، فردوا على كتاب عمرو بلهجة عدوانية.. لكنهم لم يتجرأوا على محاربته. وسار المسلمون وتقدم خالد حتى نزل اليرموك وأقبل عمرو حتى نزل معه. وتواصلت المكاتبات مع عمر حتى هم عمر بالمسير إلى الشام لكن رأي الصحب الكرام كان أن يقيم عمر ويبعث المدد ويكون ردءاً للمسلمين. وبعث عمر بكتاب إلى المسلمين يحثهم على الصبر وحسن الظن بالله، فما عجز الذين قاتلوا في سبيل الله، ولا هابوا الموت في جنب الله.
اجتمع المسلمون بالجابية ثم ساروا إلى اليرموك. واستمرت مشاورات المسلمين فقال أبو عبيدة ما تقول يا خالد؟ وكان لا يهوله شيء من أمر الروم ولا يزداد بما يبلغه عن الروم إلا جرأة عليهم. قال خالد: أرى والله إن كنا إنما نقاتل بالكثرة والقوة، هم أكثر منا وأقوى علينا وما لنا بهم إذاً طاقة، وإن كنا إنما نقاتلهم بالله ولله، فما رأى أن جماعتهم ولو كانوا أهل الأرض جميعاً أنها تغني عنهم شيئاً. ثم غضب خالد وقال لأبي عبيدة: أتطيعني أنت فيما آمرك به؟ وكله ثقة في خالد قال أبو عبيدة: نعم. قال خالد: فولني ما وراء بابك وخلني والقوم فإني لأرجو أن ينصرني الله عليهم. قال: قد فعلت. وهكذا ولاه أبو عبيدة سلطانه في القيادة العامة على جيوش المسلمين بالشام.
يقول الرواة: وكان خالد رضي الله عنه من أعظم الناس بلاء وأحسنهم غَناء وأعظمهم بركة وأيمنهم نقيبة، وكانوا (أي الروم) أهون عليه من الذباب. وتكلم شيخ قريش أبو سفيان وكان حاضراً وأبلى بلاء حسناً، فرأى أن لا يغادروا ولكن نبه إلى طريق الإمداد من المدينة ألا ينقطع وحذر من نقض أهل الأردن وفلسطين.
لقد كان من براعة الفكر الحربي عند المسلمين أنهم كانوا يختارون أرض المعركة حين يتاح لهم ذلك خاصة إذا كانت المعركة هامة حاسمة. وقد تجلى هذا أيضاً في القادسية وأصروا على موقعهم وانتظروا الفرس طويلاً حتى أكرهوهم على القدوم. قال أبو سفيان: إذ قبلتم رأيي فأمّروا خالد بن الوليد على الخيل ومروه بالوقوف بها على مما يلي نهر الرقاد. واقترح موقعاً للرماة ، فقبلوا رأيه وكان فيه خطة تفصيلية.. وسار المسلمون والخيل من ورائهم لتحرسهم من الروم، ونزل المسلمون خلف اليرموك وظهرهم إلى الجزيرة جزيرتهم والنهر بين الفريقين ونزل الروم ما بين دير أيوب بحوران واليرموك، وعسكروا أي الجيشان أياماً. ويقدر الأستاذ كمال نتيجة دراسات ومقارنات وترجيحات أن نزول الجيشين في هذه المواقع كان حوالي الثلاثاء 21من جمادى الآخرة 15هـ وفق 30 يولية 636م. (يوليو وقت كتابة هذه المقالة).
في معسكر الروم
لما نزلت الروم منزلهم دس المسلمون إليهم رجالاً من أهل البلد كانوا نصارى فأسلموا وحسن إسلامهم وأمروهم أن يدخلوا عسكرهم ويكتموا إسلامهم ويأتوا بأخبارهم. فمكثوا أياماً لا يسألوننا ولا نسألهم، فبينما نحن كذلك سمعنا صوتاً عالياً وجلبة فظننا أن القوم يريدون النهوض إلينا فدسسنا عيوناً لنا ليأتونا بالخبر، فأخبرونا أن بريداً جاءهم من هرقل فبشرهم بمال وبمدد يأتيهم ففرحوا ورفعوا أصواتهم.
وعلى اليرموك بعث باهان (ماهان في روايات أخرى في غير كتاب الأستاذ) بعث إلى خالد إن رأيت أن تخرج إليّ في فوارس وأخرج إليك في مثلهم أذاكرك أمراً لنا ولكم فيه صلاح. ووافق خالد، فوقفا معاً وتحادثا طويلاً، فكان مما قال الرومي: إن الذي أخرجكم من بلادكم ضيق الأمر، وإني رأيت أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير (ثروة في ذلك الوقت!) وراحلة تحمل حملها من الطعام والكسوة والأدم (زيت القلي) (مونة سنة يعني) فترجعون إلى بلادكم وتعيشون بها أهاليكم فإذا كان قابل (السنة القادمة) بعثتم إلينا فبعثنا إليكم بمثلها، فإنّا قد جئناكم من الجيوش بما لا قبل لكم به (العصا والجزرة.)، ورفض خالد. (بالطبع. ولو قبل وحاشاه لأكلنا سنة زمن وضيعنا الوطن)، وأقبلت الروم فجعلوا يفسدون في الأرض ويغتصبون النساء ويسيئون السيرة حتى ضج منهم الناس أصحاب البلاد وشكاهم أهل القرى. (حسن أخلاق المسلمين وسوء أخلاق عدوهم مما حبب أهل البلاد في المسلمين)
وذكر الكتاب روايات تفصيلية عن ممارسات الروم نقلها نصراني عربي كان في جيش الروم وأسلم بعد. والممارسات نفسها كانت يفعلها جيش فارس في المناطق العربية المحتلة وفي البلاد عموماً. (والجيوش بلا دين مفسدة، لبعدها عن أهلها وعن التحضر، وانظر الجيش الأمريكي في العراق وفي اليابان وفي ألمانيا وغيرها فهو جيش مخز) ولا نحب أن نختم بحديث يغم القلب عن جيش الظلم والاستعباد.. جيش أمريكا التابع للصهيونية، بل نعود إلى جيش الحق الذي كان الله تعالى يحركه ويدفع به الباطل. لكن الحلقة طالت.. فنعود إلى هذا الحديث في اليرموك مرة أخرى!
