تأبى الأيام إلا أن تكون دولاً، و يأبى الله إلا تكرار سننه في كونه و خلقه، يمد للظالمين ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، و يبتلي المؤمنين ممتحناً صبرهم و إخلاصهم ليكون من بعد ذلك التمكين العظيم.
و كذلك مكنّا ليوسف في الأرض من بعد ظلم ذوي القربى و إهانة الرق و تشويه السمعة و عتمة السجن...
أُمتحن يوسف الصديق امتحاناً شديداً فلما نجح و صرف الله عنه السوء و الفحشاء حاز درجة المخلَصين و أصبح عزيز مصر و سجد له الذين رموه في الجب ذات يوم و زيفوا موته.
و سورة النصر تتنزل في فتح مكة تعود إلى بال عمار بن ياسر أمه التي استشهدت بعد أن طعنت في مكان عفتها لترفرف راية الاسلام في يوم كهذا.
كان أمية بن خلف قد أصبح تراباً و بقي بلال ليؤذن في الكعبة المحررة المطهرة، و اختبأ سادة قريش في بيوتهم و عاد المهجرون و المطرودون و المعذبون و الفقراء ليطوفوا حول الكعبة، و أعز الله أولياءه و أذل أعداءه.
تحمل سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم، و هو من أولي العزم من الرسل، كل صنوف العذاب و الإذلال و الحرمان في نفسه و أهله و رسالته و أصحابه حتى جاء نصر الله و الفتح فدخل مكة بكتيبته الخضراء فقال أبو سفيان لعمه العباس: لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما، فيرد العباس عليه: يا أبا سفيان، إنها النبوة، و الرسول يحطم الأصنام و يتلو "قل جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان
زهوقا".و السنة هي هي أينما وُجد الظلم و الصبر و الاعتصام بحبل الله المعز "و نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين و نمكن لهم في الأرض" تجري على الآخرين كما جرت على الأولين.
بالأمس القريب في جمعة النصر استمعنا الى الشيخ أحمد المحلاوي يخطب من مسجد القائد إبراهيم من بعد 15 سنة كان الشيخ الأزهري فيها ممنوعاً من الخطابة و اعتلاء المنابر ، و بعد أن بلغ من العمر عتيا أعاده الله ليخطب من فوق ذات المنبر الذي أنزله الظالمون عنه و أسمع كلامه عبر الفضائيات للملايين حول العالم ، فسبحانه من يرفع بهذا الدين أقواما و يضع آخرين ،اعتقله السادات و قال عنه كلاما بذيئاً "الرجل بتاع الإسكندرية.. الخطيب اللي كان بينال مني.. ومن بيتي أهو مرمي في السجن زي ... " ذهبت السبة و صاحبها الى مجاهل التاريخ و صفحاته السوداء، و أطال الله عمر المحلاوي ليشهد تحرير مصر من الفاسدين و عودتها الى العالم العربي و الإسلامي.
هذه العودة المظفرة لشيوخ مصر و علمائها لواجهة المشهد الشعبي في مصر تكللت بعودة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي من بوابة النصر الأمامية لا من الغرف الخلفية ليقود المصريين في فرحتهم و احتفالهم الأكبر بالنصر الذي تجمعت له الملايين.
من كان يظن و القرضاوي الذي سُجن في عهد فاروق و عبد الناصر ثم هرب إلى قطر و مرت سنوات قبل أن يستطيع العودة الى مصر أنه سيبلغ من العلم و المكانة في العالم الإسلامي ما بلغه و أنه سيعود الى مصر، كما عاد قدوته محمد صلى الله عليه و سلم إلى مكة، إلى البلاد التي يحبها و أُخرج منها قصراً ليذوق طعم النصر و التمكين و الاحترام على تراب بلده و بين أهله و يصل صوته إلى كل العالم الإسلامي؟!
خطب القرضاوي من ميدان التحرير و عاد شريط الذكريات ليذكر بمحن كثيرة ذهب فيها خيرة أبناء مصر و علماؤها و لكن أرواحهم الحية الفرحة عند ربهم تستبشر بمن خلفهم من أهل مصر خير أجناد الأرض.
خطب القرضاوي من ميدان التحرير و رأى جيل الشباب ما كانوا يقرؤونه من المثاليات من أن دولة الباطل مهما استطالت لن يبلغ مكوثها في حساب الزمن أكثر من ساعة بينما دولة الحق باقية إلى قيام ساعة و هو ما عبر عنه الشيخ شعراً في قصيدته ملحمة الابتلاء التي ألفها يوم كان معتقلاً في السجن الحربي عام 1955 و قال فيها:
قل للذي جعل الكنانة كلها سجناً و بات الشعب شر سجين
يا أيها المغرور في سلطانه أمن النضار خُلقت أم من طين؟
يا ذئب غدر نصبوه راعياً و الذئب لم ساعة بأمين
سيزول حكمك يا ظلوم كما انقضت دول أولات عساكر و حصون
أرهقت أعصاب البلاد و مالها و رجالها في الهدم لا التكوين
إنا لعمري إن صمتنا برهة فالنار في البركان ذان كمون
تالله ما الطغيان يهزم دعوة يوما و في التاريخ بر يميني
ضع في يدي القيد ألهب أضلعي بالسوط ضع عنقي على السكين
لن تستطيع حصار فكري ساعة أو نزع إيماني و نور يقيني
فالنور في قلبي و قلبي في يدي ربي و ربي ناصري و معيني
خطب القرضاوي في ميدان التحرير يوم الجمعة كما خطب الإمام محيي الدين بن زكي الدين أول خطبة في القدس يوم الجمعة في الرابع من شعبان سنة 583 هجرية بعد الفتح الصلاحي،و أطال الله عمره ليرى تحرير مصر قلب الأمة العربية النابض، فهل نراه قريباً خطيباً في الأقصى الذي كتب له عهداً قال فيه:
أنا عائد.. أنا عائد، أقسمت أني عائد
والحق يشهد لي ونعم الشاهد
ويقودني الإيمان نعم القائد
يا ثالث الحرمين يا أرض الفدا
آليت أجعل منك مقبرة العدى
ذقت الردى إن لم أعد لك سيدًا
طعم الردى دون الحياة مشردًا
يا أخوتي هبوا ليوم الموعد
هذي يدي فضعوا يديكم في يدي
لا تذكروا لي الأمس نحن مع الغد
و لنا صلاح قدوة فلنقتدِ
نسأل الله أن يحقق له قسمه و يكتب لنا صلاةً بإمامته و قد تطهر الأقصى من دنس المحتلين.


