الخميس 01 يناير 2026 الساعة 08:25 ص

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

منطق النظام في الشام في قفص الاتهام

حجم الخط

1- إعلام العرب الأعلام في قفص الاتهام

أقام الإعلام الليبي مأتماً وملطمة ومناحة، وندبت الندابات على الضحايا المدنيين ودماء الأبرياء والأطفال القتلى في قصف طائرات حلف الأطلسي على ليبيا. والحلف الأطلسي لا يرقب فينا إلاً ولا ذمة. هذا مفروغ منه، لكن غير المفروغ منه هذا التصنع السمج والتحازن والتباكي على الدماء البريئة! وما الذي فعله القذافي في قصف مصراتة بالصواريخ؟ وماذا كانت طائرات القذافي تقصف على الناس في المدن الليبية؟ أكانت ترمي الأطفال والنساء والشيوخ بالزهر والفل والشوكلاتة؟ أكانت تعطر الأجواء من حولهم ومن فوقهم؟ ما أقبح استغباء الناس والناس تفهم كل ما يدور.

 

ومن هذا الوادي والقبيل كلام الإعلام السوري عن اقتحام كل البلدات السورية على التوالي من قبل الجيش ودعوى الإعلام و"أحمد صوان" أحد ناطقيه الأعلام بقوله: هذا حق الجيش بل واجبه في تطهير كل مدينة وقرية من العناصر المسلحة التي تهجر الناس من قراهم بالقوة! فهل نفهم مِن هذا أن الدولة مستمسكة بالشعب والعناصر المخربة المسلحة المندسة هي التي لا تريد للناس البقاء في بيوتهم؟ وهل هي تفرض إرادتها على الشعب والجيش؟ ولماذا لم تظهر هذه العناصر المسلحة إلا بعد أن قام الشعب يطالب بالحرية؟ هل الأمن السوري يرشق الشعب السوري بالياسمين الدمشقي؟

 

2- الماغوط يتهم الإعلام

يقول الكاتب السوري الساخر محمد الماغوط في اتهام الإعلام في كتابه: "سأخون وطني" تحت عنوان "الشجرة والأغصان": "الذي يستمع إلى الإعلام العربي وهو يصب جام غضبه على السادات (ليس المقصود خصوصية السادات وإنما من يستمع إلى الإعلام في أي قضية ينتابه الشعور نفسه) ويعدد المآسي والويلات التي حلت بالوطن العربي بسبب مبادرة السادات، يخيل إليه أن الوطن كان جنة قبلها، وصار جحيماً بعدها"! ثم قال: لماذا نضع خرجاً على كتف السادات ونحمله أخطاءنا؟

 

وقال عن شعار: "المؤامرة لن تمر" و"سنحبط المؤامرة" قال: هذه مؤامرة يدفعها الشرق والغرب وعلى رأسهم أمريكا هل ستدفع بالأيدي؟ ثم قال عن الواقع العربي: لا توجد حرية.. توجد خطابات عن الحرية. لا يوجد تحرير.. توجد يافطات عن التحرير. لا توجد رؤية واضحة للحاضر وللمستقبل.. توجد مسلسلات بدوية لتعمية الماضي والحاضر والمستقبل ومن لا تعجبه هذه الإستراتيجية العربية لمجابهة المبادرة وإحراز النصر فليدق رأسه بالجدار.. بين لبنان وإسرائيل! (واضح!؟)

 

وفي نهاية مقال آخر له قال: الماء يجري من تحتنا والسياسة من فوقنا.. فأين نطير؟ قال: يبدو أن أوطاناً كثيرة هي التي ستطير!

 

وفي مقال ثالث بعنوان: "ثالثاً أم رابعاً" قال الماغوط: من يذكر بياناً مشتركاً صدر منذ ضياع فلسطين حتى الآن في ختام أي اجتماع أو محادثات إلا وأكد الجانبان أن "المحادثات كانت بناءة ومثمرة، وبأن وجهات النظر كانت متطابقة. وأن التفاهم حول مجمل القضايا كان كاملاً" ومع أن الوطن العربي خرّب، باستثناء السجون وملاجئ الحكام المحبوبين من شعوبهم. ومع أن المخابرات لم تترك فكاً مطابقاً لفك في فم كل مواطن يعمل بالسياسة.. ومع ذلك فالبيانات العربية المشتركة ما زالت تصدر، ولأن الكذب العربي بلا حدود صار الوطن العربي بلا حدود!

 

وفي مقال بعنوان: "بث تجريبي" قال الماغوط: الآن يستطيع يوسف وهبي أن يغادر الدنيا وهو مطمئن كل الاطمئنان على مستقبل المسرح العربي، بعد أن أصبح الوطن العربي كله مسرحاً.

 

وفي ختام المقال نفسه قال: فوق البيت الأبيض: أغنية.. سألتك حبيبي لوين رايحين! (أظن المعنى واضحاً أن العالم العربي يسأل أحبابه سكان ذاك البيت عن وجهتهم وتوجههم!) (..وجوههم!)

 

وفي مقال بعنوان "شهيق وزفير" قال الماغوط: ومع مرور الأيام، وتوالي المؤتمرات يكشف المواطن المسكين أن تأكيد البيانات العربية على أن كل شيء له ولمصلحته لا يعني أكثر من تأكيد التاجر للزبون بأن المحل محله!

 

3- بين صدام وبشار

يحاكم صدام حسين في دولة "التحرر"، العراق الجديد، الديموقراطي، دولة القانون، تحت وصاية بريمر، بتهمة الإساءة إلى شعبه، ومحاكمة من حاولوا اغتياله في "الدجيل"، وبناء عليه تم إعدامه. فماذا يقال في ما صنع آل الأسد؟! ماذا يقول التاريخ في مأساة العصر مأساة حمص؟ وماذا يقول في مأساة تدمر؟ وماذا يقول عن كل جمعة لا يقل الضحايا فيها عن ثلاثين "فقط"! لأنهم يطالبون بأبسط حقوق الإنسان: الحرية والكرامة!؟

 

لماذا هلل من هلل في التضحية بصدام في فجر النحر، وهم أنفسهم يبررون ما يفعلون أضعافاً مضاعفة عما فعل صدام ولا يحاكمون ولا يزالون يعتبرون في الصفوف الوطنية والممانعة والمقاومة؟

 

ما المعايير وما المقاييس التي نتحاكم إليها لنضبط موازين الحياة وإيقاعها، ونميز الحق من الباطل ونستبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في كل قضية ومسألة؟

 

من المجرم؟ من المواطن الصالح؟ من الوطني؟ من العروبي؟ من الدعي؟ من يمثل معسكر الحق ومن يمثل معسكر الباطل؟ من المصلح ومن المفسد؟ الخ.. طبعاً هذا مؤشر نكد أن تحتاج البديهيات إلى أسئلة وإجابات!

 

4- النساء المحجبات في المظاهرات: الدلالات!

هل يخطر ببال كتاب السيناريو في هوليود وقد استعان بهم بوش الصغير في رسم سيناريو الحرب على أفغانستان، أقول هل يخطر ببال هؤلاء أن نعرض عليهم لقطة من مظاهرة نسائية في سوريا فيها نساء محجبات ومنقبات، ثم نقول لهم: ما السيناريو الذي ترسمونه للمشهد الدرامي الذي أمامكم؟ هل يخطر ببالكم أن أحداً من هؤلاء الكتاب أصحاب الخيال سيقول: هذه إشارة واضحة ومؤشر على أن "القاعدة" هي التي تحرك المظاهرات وهؤلاء النسوة تابعات للقاعدة؟!

 

هذا ما زعمه الإعلام الرسمي للنظام السوري! (ماكنش عالبال!) (ده كلام؟!) (شو هالحكي!) هل هذا إعلام بلد شعبه على الجملة متدين، وكما قال المرحوم علي الطنطاوي عن الشعب السوري: "..ثم إذا جاء وقت الصلاة قاموا إليها فلا ترى إلا جماعات وائمة.. فروسية وعبادة، تلك هي المثل العليا لأهل الشام." دمشق ص10

 

وقال: "وليس للعروبة مثل دمشق موئلاً وملاذاً، وليس في المسلمين مثل أهلها تمسكاً بالدين وإقامة لشعائره، فمساجدها ممتلئة أبداً، فيها كل شاب متأنق، وهو مسلم حقاً مؤمن صدقاً، ناشئ في طاعة الله" ص15

 

"والمنكرات في دمشق مقموعة وأهلها الأذلاء. والسفور في نساء الشام قليل نادر، والاحتشام والستر عام شامل" ص16.

 

هل هذا الإعلام يمثل بلده ويمثل شعبه؟ هل هو يعرف طبيعة البلد وطبيعة الشعب؟ ألا يعلم أن الشعب السوري من أكثر الشعوب العربية تديناً وأنه البلد السباق في ارتداء نسائه الحجاب والنقاب؟

 

والشيخ علي الذي يمدح سوريا هذا المديح يبعد عن سوريا، والذين يشككون في نساء سوريا وتدين شعبها هم الأوصياء الآن على مقدرات سوريا. دنيا وفيها العجايب!!

 

5- المعلم: سننسى أن على الخارطة شيئاً اسمه أوربا!

المعلم وليد المعلم ليس فقط سيدير ظهره لأوربا، ولكنه سيمسحها من الذاكرة الفردية الشخصية والجمعية، ومن الذاكرة السياسية، ومن المعونات الاقتصادية، وشراء المنتجات السورية، وتوريد البضائع الأوربية وقطع الغيار، والأسلحة التي يقمع بها الشعب السوري. سينسى أوربا وثقلها السياسي في الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي.

 

وجميل يا معلم أن يشرب وزراء الخارجية (لا الأنخاب) وإنما حليب السباع والأسود التي في الغاب عندما تكون القضية قضية الأمة ومقدساتها وحقوقها وأوطانها. لا أن تكون "السَّبْعنة" "والاستئساد" من أجل الدفاع بالباطل عن نظام يقتل شعبه، فقام الغريب يرحم القتلى الذين منظرهم يحرك العدو ويبكيه ربما "كأنه ولي حميم" من هول المنظر وفظاعته، لا من فرط رقته كشخص ورهافته.

 

لم نسمع منك مثل هذا الموقف منك. فيما يخص قضية الأقصى. بل لم نسمع صوتك قبل هذه الأحداث منذ شهور طويلة!

 

يا معلم! وما عليك معلم، أيكون الغريب أرأف بابن بلدك منك ومن أضرابك؟ أتقطعون علاقات سوريا وتعزلونها لتدافعوا عن الباطل؟ لو كان هذا في سبيل الحق ونصرته لأكبرناك واحترمناك، لكن، ما حركك، لا والله، لا نصرة الحق ولا المباديء ولا قضايا الأمة، ما حركك إلا مصلحة ضيقة خاصة تعود لغيرك ويعود لك منها فتات.. هو فائدتك الشخصية. فبئست الصفقة وخسر بيعك –يا معلم- وطلعت مو معلم.

 

وبعد.

فلا أريد أن أكرر أن ريح التغيير هبت على المنطقة، وهبت ريح الشعوب. وإذا هبت ريح الشعوب، فلن يوقفها أحد –هكذا سنة الله- إلا أن تبلغ غايتها والمنى والمطلوب! ولن يرهبها ما كان يرهبها فقد تجاوزت حاجز الرهبة والرعب والخوف والفزع والهلع.

 

ومن عجب أن صيغة "لا تخف" جلها في القرآن جاء في مواجهة موسى مع فرعون، وكذا صيغة "لا تخافا" و"لا تخافي" وصيغة "خائفاً."

 

آن أن تبدل الأحوال. وأن يبدل خوف الخائفين وأمن الآمنين: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون. وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون. لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار، ولبئس المصير" النور 55-57

 

وإلى حلقة نختم بها منطق النظام في الشام بعنوان: تهافت التهافت.