الإثنين 12 يناير 2026 الساعة 10:52 م

مقالات وآراء

الشعب اليمني إذ يتأهب لإعلان الانتصار

حجم الخط

ليس الانفجار الذي أُصيب فيه أهم أركان النظام في صنعاء هو الذي حسم، أو سيحسم ثورة الشعب اليمني، فهو على الأرجح جاء نتاجًا للثورة، وإيمانًا بنبل أهدافها، لاسيما أنّ معظم المعطيات تُشير إلى أنّه نُفذ من قبل عناصر في الكتلة المحيطة بالنظام، وليس بفعل قصف من الخارج؛ كما زعم الإعلام الرسمي.

 

اليوم، وبرحيل معظم أركان النظام إلى المملكة العربية السعودية للعلاج، مع غموض فيما يتصل بالوضع الصحي للرئيس، يمكن القول إنّ الطريق أصبح ممهدًا لإعلان الانتصار، وتسوية الأمر على نحو يلملم جراح الشعب اليمني، ويمنحه الفرصة لترميم الوضع البائس، الذي خلفه له حكم علي صالح طوال ثلاثة عقود.

 

صحيح أنّ أحدًا لا يمكنه التكهن بالسيناريو الأخير من الثورة، في ظل رفض "آل صالح" الاعتراف بالهزيمة، وما تردد عن تسلم للسلطة ـ واقعيًا ـ من قبل نجل الرئيس، وظاهريًا من قبل نائب الرئيس، الذي لم يصب في الانفجار، إلا أنّ إصرار ما تبقى من هؤلاء على عدم الخروج من السلطة، لن يعني أنهم سيتمكنون من هزيمة الثورة.

 

لقد أثبت الشعب اليمني قدرة هائلة، ومثيرة للإعجاب، على الاحتجاج السلمي، بل إنّ ما جرى خلال أربعة شهور من الثورة كان مذهلاً بكل المقاييس، ليس لجهة الإصرار الرائع على تحقيق أهداف الثورة، بل أيضًا لجهة الإصرار على سلميتها والتصدي لمحاولات علي صالح جر البلاد لحربٍ أهلية، مع العلم أنّ ما جرى خلال الأيام الأخيرة، ممثلاً في المعارك المسلحة مع مسلحي قبيلة حاشد، لم يكن سوى فاصل عابر لا يغير في طبيعة الثورة.

 

والحق أنّه لولا الدعم الخارجي، لاسيما الخليجي منه، والسعودي على وجه الخصوص، لما كان بوسع علي عبد الله صالح الاستمرار في سياسة الكذب والخداع والعناد التي انتهجها منذ بداية الثورة، ولا قيمة للقول إنّ الخليجيين قد انفضّوا عنه بعد رفضه التوقيع على المبادرة الخليجية، إذ يعرف الجميع أنّه لولا استمرار تدفق الأموال، أولاً لنظام الحكم، وثانيًا لبعض زعماء القبائل، من أجل دعم الرئيس، لما كان للانتصار أن يتأخر كل هذا الوقت، لاسيما بعد أن تأكد أنّ حجم الثورة واتساع نطاقها وإصرار شبابها لا يسمح بغير الانتصار.

 

الآن، وبعد الذي جرى، فإنّ الحديث عن عودة للرئيس من جديد لمزاولة الحكم، أو أية صيغة أخرى تلتف على أهداف الثورة لن يؤدي إلا إلى مزيدٍ من التصعيد الشعبي، لاسيما أنّ كثيرًا ممن راهنوا على قدرة الرئيس على البقاء سيميلون إلى الانفضاض من حوله الآن، ولن يستمعوا للأصوات القادمة من الخارج؛ من تلك التي تريد منهم المضي في برنامج المراهنة على التمسك بالوضع القديم.

 

ثمة احتمال آخر هنا يتمثل في احتمال دخول أطراف خليجية، أو سعودية على خط وساطة جديدة، ليس من أجل إعادة الرئيس، بل من أجل تنفيس الانتصار، وتحويله إلى تغيير سياسي عادي لا يمنح من تبقى من الشعوب العربية فرصة استنشاق هواء الانتصارات من جديد، بعد انتصاري تونس ومصر، فضلاً عن محاولة الحصول على ضمانات بعدم محاكمة أركان النظام، على نحو ربما يفتح ملفات كثيرة لا يريد البعض فتحها.

 

يُشار هنا إلى أنّ جزءًا من التلكؤ في رفض صالح التوقيع على المبادرة الخليجية، كان يتعلق بالضمانات الخاصة بأركان الحكم الآخرين، إذ ساوم صالح على الحصول على ضمانات بعدم محاكمة أي من أركان حكمه، وليس فقط أبناء عائلته المقربين، الأمر الذي رفضه الثوار، كما رفضته قوى المعارضة، وكان رائعًا أنّ يرتفع سقف الخطاب نحو رفض بقاء الحزب اليمني الحاكم، بل ضرورة حله ومصادرة جميع ممتلكاته التي كانت ـ عمليًا ـ جزءاً من ممتلكات الشعب اليمني.

 

إنّ أي تغيير لا يحاكي التجربة المصرية والتونسية في إقصاء الرئيس وحل الحزب الحاكم ومصادرة ممتلكاته لن يكون كافيًا، لأنّ الأحزاب الحاكمة في الدول إياها لا صلة لها بالأحزاب بصيغتها المعروفة، بل هي عصابات نهبت البلاد وأذلت العباد، ومن الضروري أن تنتهي مع الحقبة التي مثلتها مهما كان الثمن.

 

نبارك للشعب اليمني مقدما بانتصاره العظيم على الظلم والفساد، ونبارك للأمة العربية ازدهار ربيعها من جديد، الأمر الذي يعني أنه ربيع متواصل، لن يتوقف حتى يهيل التراب على هذه المرحلة بكل ما حوته من إرث ورموز لم تقدم لهذه الشعوب غير الفساد في الداخل والتبعية للخارج.