الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 08:55 م

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

«منتهى الثورة»

حجم الخط

1- منتهى الحلقات عن الثورة.

في نهاية هذه الحلقات عن الثورة، لا بأس أن نستعير عنوان برنامج «أسعد طه»: «منتهى الثورة». ليكون لحلقاتنا اسماً على مسمى.

 

ومنتهى الثورة أن تصل أعلى درجاتها. وأن تصل حدها وسقفها وأوجها ونقطة توهجها.. بأن تستقطب كل الفئات وكل الطبقات وكل الشرائح والمكونات، من كل المستويات.. وأن يقدم كل واحد أعلى ما يستطيع من تضحية وتقدمة. وقد وصل ثوار ميدان التحرير «منتهى الثورة» بأن حشدوا المليونية الأولى، ثم تفوقوا على أنفسهم في صلاة الجمعة التي أمّ فيها العلامة القرضاوي، شيخ الثورات، وإن سماه بعض المفتونين: المحرض على الفتن. وما هو إلا محرض ثوري على المتسببين في الفتن، في الدين والوطن والحرية.

 

أقول في تلك الجمعة بلغ المد الثوري منتهى منتهاه. لقد صلى في ميدان التحرير، ربما ما لم يصل مثل ذاك العدد في الحرم المكي إلا قليلاً.. فكان من هذه الناحية منتهى الثورة. وعندما تنّح التنح أن يتنحى، وقال إنه متمسك بالشعب وإمامته الراشدة وخدمته القاصدة.. واجهه الشعب برفع الأحذية، فكان إجراء في منتهى الثورة بعد أن طفح الكيل وارتفع موج الغضب فصار في النفوس كالجبال، وأحدث كالزلزال.. فرفع الناس للرئيس النعال. وقالوا اللي ما يتقال.

 

2- منتهى التعبئة.

منتهى الثورة.. أن تحرك قطاعات الشعب كلها، وأن تتحرك فئات وشرائح لم تكن لتتحرك لو لم تبلغ حرارة التفاعل إلى هذا المستوى. فأن يتحرك شباب كان البعض يظنهم «صاعوا» وضاعوا.. وأن تتحرك أجيال كان يظن أن القطار مضى بهم وأصبحوا ينتظرون المغادرة من هذه الدنيا.. وأن يتحرك فئات غارقة في النعيم والترف ما كانت في عادي الأوقات والثورات تتحرك. وكذلك أن يرابط الناس في المطر والبرد كل هذا صور من منتهى الثورة.

 

يروي طبيب جراح في القاهرة، يقول قضيت عمري كله في الطب والجراحة. لم أخرج عن مساري هذا خطوة عمري كله. ثم جاءت ثورة يناير.. فنزل الولد إلى الحراك الجماهيري ورجع يقص.. ومن بعد نزلت البنت، فتأخرا عن موعدهما فنزلت وأمهما لنبحث عنهما لا لنشارك فوجدنا أنفسنا بتلقائية تامة منخرطين في الثورة من حيث لا نحتسب.. وبالطبع تعلمون أنه أصبح طبيب ميدان التحرير الأول في علاج آثار البلطجية والقوات السرية وأمن الدولة لا أمن الأمة المصرية، والأمن المركزي والبقية..

 

والذي قال «هرمنا» في الثورة التونسية فصارت الكلمة من الأمثال المحكية والمروية.. والذي قال: يا شعب تونس العظيم.. إلى آخر نداءاته التي أبكت الأمة العربية..

 

يقول أحد مثقفي مصر عن تجربته مع الثورة: قفز الشباب خارج الأسوار. يقصد أسوار المألوف والمعروف والرموز والأطر..الخ.

 

يقول: أقر أنني لم ألحق بالثورة في بداية الثورة. ذهب ابني وانتظرته وفي اليوم التالي حكى لي عن مشاركته في معركة شارع قصر العيني، وحكى لي عن إعجابه المفرط بعمرو واكد، وعن اختناقه غير التام بغازات الدموع، وتوقعت أن أمر المظاهرات قد يستمر يوما أو يومين آخرين، مثل مظاهراتنا السابقة. صباح الجمعة 28 يناير يلتحق ابني بزملائه ثانية، كنت أسمع حركته وأبتسم كأنني حكيم بائس، سأعلم فيما بعد أنه شارك في معركتي كوبري الجلاء وكوبري قصر النيل..

 

لم أفكر لا في المشاركة ولا في الفرجة، إلا عندما مرّت في عصر الجمعة ذاته، وبالقرب من بيتي بالهرم مظاهرة كبيرة تتجه إلى ميدان الجيزة، سمعت ضجيج الهتافات، ضجيج الجيل، وخرجت لأرى الضجيج بعيني، بعد لحظات انفعلت، ثم اندسست ومشيت بينهم. (عندنا بيقولوا نفَس الرجال يحيي الرجال..!) لم أستطع أن أوقف سيال دموع انفعالاتي، وأنا أهتف، وعندما قابلني «علاء عبد الهادي» داخل المظاهرة احتضنني وبكى معي..

 

منذ تلك اللحظة التمست طريقاً جديداً للخلاص.. كانت أجسامنا نعوشاً لأرواحنا.. الشوارع لم تكن لنا.. ولما ثار الشباب وطردوا الدكتاتور استعادوا أرواحهم وحواسهم ووطنهم، واستعادونا كآباء، واعترفوا بنا، كنا طوال ثلاثين سنة لا نعبأ سوى بنظافة بيوتنا كان الوطن في قائمة الأشياء الملغاة، وَفَوْر الثورة، وفور استعادة الوطن، خرج الشباب كله ينظفون أرضه ويغلسون جدرانه.. لقد تحققت المدينة الفاضلة.

 

في مساء 11 فبراير تجرأ الدكتاتور وسقط تحت كرسيه، تحت كرسي الرئاسة وامتلأت كل الميادين بالبشر، ووراءهم هاجس سؤال ملح: كيف نكنس أتربة العالم القديم، وكيف نؤسس عالمنا الجديد، كيف نجعل الثورة تامة، وكيف نجعلها دائمة، مساء الجمعة خرج الليل.. وابتدأ النهار.. فاكتشفنا أن الصباح التالي هو صباح السبت الأول بغير ديكتاتور.. اتسع البيت أصبح بحجم التاريخ كله والجغرافيا كلها. في صباح السبت نتبادل التحيات.. نرى كل الأشياء تركض في اتجاه الثورة التي تريد أن تتم»أ.هـ.

 

(منتهى الثورة أن تتم الفرحة بتمام الثورة، كما قال قرآننا في أكثر من مكان وأكثر من مناسبة متحدثاً عن تمام النعم ففي قصة يوسف: «ويتم نعمته عليك» وفي سورة الفتح في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم: «ويتم نعمته عليك» والآيات في «التمام» كثيرة منها: «أتمم لنا نورنا» وإخواننا المصريون يقولون: «ربنا يجعل التمام على خير.» فالإقلاع شيء والوصول شيء آخر. وبداية الثورة شيء ومنتهاها بتحقيق مناها شيء آخر. وربنا يتمم بخير!)

 

3- منتهى الشعر.

قال الشاعر شعبان يوسف في قصيدته: «المجد في وسط البلد»: هنا المجد في وسط القاهرة. هنا الشمس تفرش أثوابها الباهرة. فصلّ.. وسلم.. وبارك.. على الطيبين الذين يجيئون من شرف النيل. ومن وجع يتقلب في الروح. ومن طينة طاهرة. ومن كل قلب يغني.. بلادي.. بلادي.. هنا المجد في وسط القاهرة. هنا المجد يا قاهرة».

 

وقال محمد إبراهيم أبو سنة من قصيدته: كأنما أتوا من الخيال. إلى ثوار 25: «كأنما أتوا من الخيال. من شرفة التاريخ.. والمآذن الطوال. من غابة الأحلام في الصبا.. ولوعة المحال. كأنما أتوا لينفخوا في الصور.. كي تقوم للقيامة النساء والرجال. يحررون مصر.. من قيودها الثقال.. من صبرها الطويل.. من قرون ذلها الذي.. يفوق الاحتمال. يحطمون في صباح هذا اليوم.. من يناير المجيد. قلعة الضلال. وتشرقين في المدى.. يا مصر.. يا رطيبة الظلال.. يا حلوة الخصال. والجموع في اندفاعها.. تطاول الجبال.. كأنما أتوا ليولد الوطن.. ويولد المستقبل الذي.. يزدان بالآمال. ومصر في زينتها.. تشيّد التاريخ.. تنتمي لمجدها.. تحاول الوصول للكمال.. كأنما أتوا من الخيال.

 

4- منتهى الثورة أن تبلغ الهدف.

قلت قبل قليل: إن الإقلاع غير الوصول. ورحلة الألف ميل تبدأ بخطوة. صحيح. لكن لا بد من صبر طويل. وصبر جميل. حتى يتحقق الحلم الثوري الجميل. وتكتمل الفرحة باكتمال الحلم وتحققه في أرض الواقع.

 

قطاع الطرق كثيرون. وخبراتنا في المكائد يسيرة. وصبرنا سريع النفاد. وموسى الكليم في سبيل أن يأخذ ثلاث دروس في الصبر قطع الفيافي والقفار وكان نموذج الصبر ونموذج الرحلة في طلب العلم وسجل القرآن قوله: «لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقباً.»

 

وكم كنت أتذكر هذه الآية، وشباب التحرير المصممون يقولون: لن نبرح الميدان حتى تكتمل أهداف الثورة.

 

بارك الله عزم الشباب وإصرار الشباب وتصميم الشباب، وحقق الأهداف على أيدي الشباب.. فمنتهى الطاقة في الشباب. ومنتهى الثورة في الشباب. وبلوغ منتهى الأهداف.. سيكون بالشباب.

 

قال الكاتب طلعت رضوان في مقال بعنوان: شتاء الحرية، وسقوط أوراق التوت: «نجح ثوار يناير من الشباب الذين طوعوا الثورة التكنولوجية لتحقيق الحرية، في التفاف كافة شرائح شعبنا حول مطالب التغيير الجذري لنظام حكم الفرد المطلق. الإصرار الباسل على شعار «الحرية أو الموت» طوال 18 يوماً رغم برد شهري 1 و2 ورغم التضليل الإعلامي، ومليشيات الحزب الحاكم، نجح هذا الإصرار في سقوط أكذوبة أن آفة شعبنا الصبر. وأننا لا نقاوم إلا بالنكتة.

 

ومعادلة الدكتور جمال حمدان (أعظم علماء الجغرافيا في مصر، مات في ظروف غامضة قبل سنوات) ومعادلته هي: البطش من جانب الحاكم والاستكانة من جانب الشعب، حتى لقد وصف الحاكم بالرأس والشعب بالجسم، وقال: «رأس كاسح، وجسم كسيح» أسقط الثوار كل هذا، وأيقظوا المارد وأنهوا الغفوة.. وأسقطوا أبشع نظام سياسي يضع كل مؤسسات الدولة في قبضة شخص واحد. هو رئيس الدولة ورئيس الحزب الحاكم، وبرلمان يبدو شكلياً أنه أتى بالانتخاب في حين أنه مجرد إدارة تابعة لرئاسة الجمهورية، ومفسدون يتستر بعضهم على بعض». أ.هـ. بتصرف

 

منتهى الثورة إذاً، أسقط منتهى الفساد، والحكم المطلق، وأسقط أو أسقطت كثيراً من الأوهام. ومن منتهى الثورة مواصلة مشوار الثورة حتى إكمال كل أهداف الثورة.. وكل ثورة شعبية.. بخير وبركة على الأمة العربية.. والإسلامية.