في الجزء الأول من سلسلة مقالات "المصالحة الفلسطينية.. ايجابيات تتخطى التوقيع" فَصلنا الأطراف المختلفة- التي تعتقد- أنها متضررة من نجاح المصالحة الفلسطينية وتطبيقها على الأرض، وفي هذا الجزء سنجيب عن أسئلة مفادها: ما الأسباب التي دفعت حركة "فتح" للتوقيع على ورقة المصالحة الفلسطينية في هذا الوقت بالتحديد؟ وما هي الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها من وراء هذا التوقيع؟ وهل خطواتها هذه تأتي بحسن نية؟ أو أنها فقط تهدف من ورائها لجني مكاسب سياسية حزبية ضيقة؟.
هذه أسئلة كبيرة نقف أمامها، ونطرق أبوابها، فحركة فتح ومنذ أحداث يونيو 2007م كانت تماطل في الوصول إلى مصالحة فلسطينية تنهي من خلالها الانقسام، وكانت بذلك تراهن على فشل "حماس" وسقوطها تحت سيف الزمن، حتى وصلت إلى الورقة المصرية، وعندما رفضت مصر "التي تعاملت حينها مع الملف الفلسطيني أمنيا فقط" الأخذ بملاحظات "حماس" للتوقيع على الورقة، سارعت " فتح" للتوقيع، وبالطبع ليس حبا في المصالحة، ولكن مناكفة في "حماس"، وهي بذلك أظهرتها الرافض للمصالحة، ووضعتها لفترة ليست بالبسيطة في الزاوية.
وبدون مقدمات تغيرت السياسة التي انتهجتها "فتح"، وفي نهاية شهر أبريل الماضي وافقت على ملاحظات "حماس"، بل إنها ذهبت لأبعد من ذلك حينما وافقت على إصلاح الأجهزة الأمنية في غزة والضفة بالتزامن بعدما كانت ترفض طرح قضية أمن الضفة على الطاولة لمجرد النقاش، ووافقت على انتخابات منظمة التحرير وهي التي رفضتها مسبقا خشية من سيطرة "حماس" على البيت الأخير المتبقي لحركة "فتح"، ووافقت على تشكيل محكمة الانتخابات وقضاتها بالتوافق وليس كما كانت تُصرُ على تشكيلهم بقرار من عباس وحده، بل إن هناك قضايا كانت عالقة وافقت عليها "فتح" بدون نقاش أو بنقاش لساعات قليلة فقط.
إن موافقة "فتح" على شروط "حماس" شكلت مفاجأة لوفد الأخيرة المحاور، ومن جهة أخرى فموافقة " فتح" على تضمين الورقة المصرية لملاحظات "حماس" لم يأتِ من فراغ بقدر ما كان لعدد من الأسباب والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، ومن أبرز أسباب توقيع فتح على اتفاق المصالحة الفلسطينية بصورته الحالية ما يلي:
1- أحد أبرز الأسباب التي دفعت "فتح" لأن تذهب إلى المصالحة هو زوال حضنها الدافئ عن الخارطة السياسية والمتمثل في نظام مبارك المصري، فقد كان الأداة التي تضغط من خلالها "فتح" على "حماس" في محاولة لإرغامها، ولذلك فبعد رحيل هذا النظام ومن خلال نظرة "فتح" الشمولية لباقي الأنظمة في المنطقة أدركت أنها يجب أن تقوم بخطوة متقدمة "قبل فوات الأوان" وهي التي تمثلت بزيارة رئيسها محمود عباس لمصر والالتقاء بالمجلس العسكري، ولاحظوا معي أن المصالحة جرت بعد هذا اللقاء بأيام معدودة فقط، وهو الذي يؤكد أن "فتح" وجدت تغيرا واضحا في السياسة المصرية تجاهها، ولذلك دفعها هذا الأمر لتغيير استراتيجيها، خاصة وأن علاقتها مع عمان سيئة جدا بفعل قضية الوطن البديل وغيرها، فهي بذلك أرادت أن تكسب وُد النظام المصري الجديد، والذي بدوره أبلغها رسالة واضحة، ومفادها "إن مصر قبل الثورة ليست هي بعدها، فبعد الثورة وأمام ضغطها باتت مصر تبحث لما من شأنها أن يعيدها لتكون الرائدة للأمة العربية، وهذا يحتم عليها أن تتعامل بشفافية وتوازن مع قضايا العرب"، وهي رسالة إن حملت التوازن فلن تكون في صالح حركة "فتح".
2- الفشل الكامل في مسار التسوية السياسية السلمية بين فريق عباس والاحتلال الصهيوني، دفع فتح للبحث عن مخرج من نفق هذه التسوية بعدما فشلت كل الوساطات من إخراجها، فلم تجد أفضل من الحضن الحمساوي الذي من خلاله تكتسب قوة ومنعة كفيلة أن تعيدها إلى واجهة المشهد السياسي الفلسطيني بعدما باتت في ذيله، وهو خيار يعني أن تضع "فتح" يدها في يد غريمتها "حماس"، وهي بذلك تريد إيصال رسالة للعدو الصهيوني ومفادها "إن لم تختاروا السلام معنا، فسوف نذهب إلى خندق حماس التي تهدد بإزالتكم عن الوجود"، وهو أمر قد يعود بالسلب- حسب تفكير الاحتلال- عليه من خلال تعطيل مهمة الأجهزة الأمنية في الضفة وما تمثله من تعاون أمني وحماية لحدود الاحتلال من أية أعمال مقاومة قد تهدد أمنه، وندرك جيدا الذي يعنيه الأمن بالنسبة للاحتلال، فقد وصل حد التعاون بين الطرفين حد أن تسخر الأجهزة الأمنية قواتها كاملة بحثا عن كلبة ضلت طريقها إلى الضفة "وكلنا سمع بقصتها".
3- "فتح" وعباس أرادوا المصالحة مَطية لما يسمونه "استحقاق أيلول سبتمبر"، فهم يعتقدون أنه من الفشل السياسي الذريع ذهابهم إلى الأمم المتحدة بينما لا يحتكم عباس على الوطن كاملا، فغزة تسيطر عليها وتسير أوضاعها بجدارة حركة "حماس"، وذهاب عباس للمصالحة والموافقة على شروط "حماس" إنما جاء ليركب في قطار المصالحة إلى الأمم المتحدة أملا في نيل اعتراف دولي بقيام الدولة المزعومة، وهو الأمر الذي لن يحدث على أرض الواقع، وتباعا تظهر بوادره سواء من أميركا أو دول أوروبية مختلفة.
4- إن خشية عباس من طوفان التغيير العربي دفعته إلى ضرورة التفكير في تغيير سياسته- ولو كان ذلك إعلاميا فقط- فوجد المصالحة أمامه ليمتص من خلالها جزءا من الغليان الذي يثور من تحته في الضفة، فقد بات يخشى على مكانته، ويدرك جيدا أن نظامه لا يساوي شيئا أمام نظامي بن علي ومبارك أو النظام الذي سيلحقهما، وهي أنظمة لا مجال للمقارنة بينها وبين قواته في الضفة التي عرف حقيقتها بغزة في يونيو 2007م، ولذلك فهو يعتقد أن خطوة من هذا القبيل قد تبرئُ ساحته إذا ما وصله طوفان الجماهير العربية خاصة مع عدم استقرار جارته "عمان"، ولربما جاءه الطوفان من الضفة ذاتها، والتي يزيد من ضغطها يوميا الاعتقالات السياسية والملاحقات والتعذيب تبادليا بين السلطة والاحتلال، في مشهد كفيل بتفجير الأوضاع في جمعة كتلك التي أطاحت بمبارك أو سابقه بن علي.
5- من الأسباب الرئيسية التي دفعت "فتح" وعباس للتوقيع على الورقة المصرية هو العمل على إخراج حماس من البوابة التي دخلت منها إلى الحياة السياسية الفلسطينية، فقد أدركت "فتح" أن الحصار والحرب ومن قبله الانفلات الأمني المنظم والإضرابات المُسيسة، كلها أساليب فشلت في إخراج حماس من المشهد السياسي، ولا مجال لإخراجها من اللعبة السياسية- حسب رأي فتح- إلا بالطريقة التي دخلتها بها والمتمثلة في الانتخابات، و"فتح" تدرك جيدا ألا انتخابات تجري في الأراضي الفلسطينية إلا بمصالحة، تجعل على الأقل وتُظهر ميدانيا للعالم أن ثمة انتخابات جرت في الأراضي الفلسطينية وتمخض عنها التنظيم الفلاني.
6- إن حركة فتح والرصاصة الأولى وغيرها من الشعارات الرنانة التي تغنت بها على مدار عقود من الزمن- منها ما هو حقيقي وأغلبها... تهويل- باتت مهددة بالانقراض في قطاع غزة، فلا يوجد نشاط أو تواصل ميداني حقيقي بين قواعد الحركة من جانب وقيادتها من جهة أخرى، وقادة "فتح" الفاعلين بعيدين عن ساحة قطاع غزة، فهي أرادت المصالحة حتى تجعل لها ميدان عمل من جديد في قطاع غزة يكون كفيلا بإعادة الحياة إلى تنظيم يشهد حالة هجرة مضادة إما إلى تنظيمات أخرى أو للبقاء على الحياد، خاصة في ظل ما تمارسه قيادته من تآمر واضح على الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، جعلت المواطن الفلسطيني لا يشرفه الانتماء لهذه الحركة بوضعها الحالي، وأنا أعتقد أن "فتح" مهما فعلت لن تعود بأي حال من الأحوال لأمجادها التي كانت في الماضي.
7- إن عباس وحركة "فتح" لا يزالون لا يملكون ردودا واضحة على الفضائح التي ظللتهم بفيائها المخزية قناة الجزيرة القطرية في "كشف المستور"، وعباس وحركته يعتقدان بأن الذهاب للمصالحة- باعتقادهم- سيوفر عليهم أمرين، أحدهما يتعلق بمسح معالم تلك الفضيحة المدوية، والآخر يتعلق بالعمل على وقف وسائل إعلام "حماس" من التركيز عليهم وإظهار فشل مشروعهم وتعريتهم أمام الجمهور الفلسطيني، خاصة في ظل فشل ذريع يتكبده الإعلام الفتحاوي الذي لا يلقى قبولا في الشارع الفلسطيني لكذبه الواضح في التعاطي مع مختلف القضايا والملفات الفلسطينية.
إن هذه بعضا من الأسباب التي سعى عباس وحركته "فتح" من أجلها لتوقيع اتفاق المصالحة الفلسطينية بدون شروط أو تعقيدات كانوا يلقون بها في طريق المصالحة خلال الأعوام الماضية، وإن كان لفتح من أسباب جعلتها تستجيب للمصالحة وهي في حالتها الضعيفة، فلحماس أيضا أسباب جعلتها توافق على المصالحة على الرغم من أن تيار التغيير والقوة في المنطقة قاطبة يسير لصالحها، وأسباب توقيع حماس سنتحدث عنها في مقالنا الثالث بإذن الله.
إلى الملتقى في مقالنا الثالث


