لم تخرجْ مسيرات شعبية منددة باغتيال أسامة بن لادن في طول العالم الإسلامي وعرضه كما حصل إثر اغتيال رموز كبار في الأمَّة، مثل الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وعددٍ من رموز المقاومة الإسلاميَّة في فلسطين، وحتى إثر إعدام صدام حسين بتلك الطريقة المثيرة المستفزَّة صبيحة عيد الأضحى.
لكن ذلك لا يعني بحال أن مسحة الحزن قد غابت عن وجوه الناس يوم الاثنين إثر الإعلان الأمريكي الاحتفالي عن النجاح في قتل الرجل، ومن يعتقد أن الخبر قد مرَّ عاديًّا على الغالبية الساحقة من الناس واهم إلى حدٍّ كبير.
ما ينبغي أن يقال هنا هو أن الشعور العام تجاه الرجل لم يكن مرتبطًا على نحو كامل بتنظيم القاعدة وما قام به من نشاطات وما نفَّذه من عمليات، خلافًا للدكتور أيمن الظواهري، ربما لأن أكثر التنظير في السنوات الأخيرة قد صدر من الأخير على وجه التحديد.
لهذه المعادلة سرٌّ روحي، فالمليونير الذي باع دنيا كانت بين يديه ورحل مجاهدًا في سبيل الله من معركة إلى معركة ومن كهف إلى آخر كانت له مكانته الخاصة في الوعي الجمعي لجمهور المسلمين، ولو رحل الرجل مثلا قبل ست سنوات لكان لرحيله صدى أكبر بكثير، ولكانت ردود الفعل أكثر عنفًا بكثير.
لا ننفي هنا وجود ارتباط لاسم بن لادن بتنظيم القاعدة، وتبعًا لذلك بممارساته، لكننا نتحدث عن الارتباط الكامل، بدليل أن كلَّ الأخطاء التي ارتكبها التنظيم لم تسحبْ من بن لادن شرعيته كمجاهد في الوعي الشعبي، ولا مكانته كإنسان استثنائي لم تبدُ عليه سوى علامات الإيمان والإخلاص والحرص على الأمة ودينها.
ثمة كيمياء خاصة تميَّز بها هذا الرجل، كيمياء جعلته أقرب إلى أرواح الناس من أي من رموز القاعدة الآخرين، بل إن وعي كثيرين كان غالبًا ما يرفض نسبة كثير مما يجري لأوامر منه، وذهب كثيرون إلى تحميل عبء التطرف في بعض سلوكيات القاعدة إلى أيمن الظواهري، وقد فعل ذلك أناس كثيرون يعرفونه وآخرون لم يسبقْ لهم أن عرفوه، مع أننا لا نقرُّ ذلك تمامًا، نحن الذين نعرف أن ما جرى هو جزء لا يتجزأ من تجارب مجموعات العنف التي غالبًا ما تبدأ منضبطة، ثم تأخذ في الانفلات التدريجي بعد ذلك.
هذه الكيمياء الخاصة لأسامة بن لادن هي ما يفسر تصريح إسماعيل هنيَّة البسيط، وربما البعيد عن السياسة الذي انطوى على رثاء للرجل وتنديد باغتياله ووصف له بأنه مجاهد عربي مسلم، تمامًا كما فعل الدكتور حسن الترابي (المفكر والزعيم السوداني المعروف) الذي قال وهو خارج لتوه من سجن السلطة: إن أسامة بن لادن رجل مجاهدًا "آثر أن يموت شهيدًا بدل أن يعتقل ويذل"، من دون أن ينسى بالطبع الحديث عن اجتهاده الخاطئ في بعض الأعمال مقابل صواب أخرى، يذكرنا هذا بأن بن لادن لم يتعرضْ بسوء لأي من الحركات الإسلاميَّة كما اعتاد الظواهري.
والحق أن من الصعب فكّ اللغز الخاص بموقف أسامة بن لادن من كثير من الأعمال التي نُسبت إليه بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي رآها معاملة بالمثل مع عدو استباح الأمَّة على نحو موغل في الغطرسة.
وما نعنيه هنا هو تلك العمليات العشوائيَّة التي طالت مدنيين أبرياء في عدد من الدول العربية والغربيَّة، وكذلك العمليات العشوائيَّة في العراق مثل قتل الشيعة (اعترض عليها الظواهري في رسالة له عام 2005)، أو حتى قتل أهل السنَّة بدعوى عملهم مع الحكومة، وصولا إلى تفجير جنازات بعضهم بعد قتلهم.
هذه الأعمال كانت مثيرة، وهي وسواها التي وسمت القاعدة بأسوأ نعوت الإرهاب، وحالت تبعًا لذلك دون إظهار التعاطف المعلن مع أسامة بن لادن، مقابل مشاعر السخط والكراهية حيال من قتلوه، لا سيَّما حين ألقوا جثته في البحر، في تصرف موغل في البربريَّة والغطرسة، فضلا عن حديثهم عن إرهابه هم الوالغون في القتل والإرهاب حتى آذانهم، وهم الذين يعلمون أن أسامة بن لادن لم يكن قاتلا يبحث عن شهوة الدم وإنما كان مقاتلا يرد العدوان؛ عدوانهم على أمته بالطريقة التي وجدها ممكنة.
مرة أخرى نقول: رحم الله أسامة بن لادن وتقبَّلَه في الشهداء بسبب نيته التي نحسب أنها كانت لله بصرف النظر عن حجم الصواب والخطأ فيما قام به خلال سنوات جهاده.
