1- اللغة من أعظم المنن
لعل أعظم ما منّ الله به على البشر بعد الهدى: تعليم اللغة. بل إن تعليم اللغة سبيل الوصول إلى الهدى. فلو لم تكن اللغة وسيلة توصيل الهدى إلى العقول والقلوب، فكيف كانت تصل الهداية إلى البشر؟ "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم" وذكرت عربية القرآن في أكثر من عشرة مواضع.
وأعظم ما منّ الله به على آدم بعد خلقه ونفخ الروح فيه: تعليمه. وأعظم ما علمه: الأسماء. كما قال المولى جل شأنه: "وعلّم آدم الأسماء كلها" ولئن لم يكن تعليم الأسماء هو تعليم اللغة أو مقدمة علم اللغة، فماذا يكون؟
وشاء الله أن تكون معجزة هذا الدين ومعجزة النبي الأمين معجزة لغوية ليدلل على أن اللغة أعظم إنجاز معرفي، وأن أعظم معجزة أكرم بها الأنبياء، وهي القرآن، كانت معجزة لغوية.
واللغة جسر التواصل بين البشر، والذي لم يتلق اللغة كان أقرب إلى عالم الوحوش أو البدائيين أهل الكهوف الذين "لا يكادون يفقهون قولاً" الكهف. من هنا كان تعلم لغتنا وتعليمها فرضاً مهماً لنعلم كتابنا وكنوز هذا الكتاب.
2- توظيف اللغة
وقد وظفت اللغة في كل حين، وتوظيفها في أوقات الحروب أخطر. ولعل أهم توظيف للغة تم على يد أمريكا وإعلامها في حروبها ضدنا سنة، 90، 2003، وما بين ذلك.
ولا أبالغ إن قلت إن الحرب على صعيد اللغة والمصطلحات لم تكن تقل ضرراً وضراوة عن قصف الطائرات والبوارج، إذ "قصف العقول" أخطر. والغزو الفكري أخطر من الغزو العسكري. والآن وقد بدأت الثورة الحقيقية في حياة العرب، وقد كان للغة دور مهم وبارز وحيوي ورئيس في التعبير عما يدور في رؤوس الثائرين. وكثيراً ما كان يختزل المطلوب في كلمة كالكبسولة لكنها مثقلة مشحونة بالمعاني محملة بالفكرة مشبعة بالعاطفة، مترعة بالجرس والإيقاع.
في هذا المعنى، كان هذا المقال، وقد استعنت بمقالين أو أكثر لأني وجدتها مقالات مهمة مركزة معبرة، فاختزلتها في سطور. فإلى حديث في الثورة اللغوية.
قالت الكاتبة السعودية مريم بنت عمران: "قالت العرب في أمثالها: "لكل ساقطة لاقطة" والساقطة في المثل هي الكلمة التي يلفظها امرؤ ما في زمان ما فتتلقفها عنه أذن واعية، تنفعل بها وتتفاعل معها، وتحدث بها وفيها ما تهيئها له قدراتها على التفكير ومداها عن الوعي والإدراك. في البدء إذاً كانت الكلمة.." الخ.
3- ثورة الشباب لغة جديدة
تحت هذا العنوان كتب الدكتور محمد داود في مجلة الهلال مقالة جميلة يحلل فيها دور اللغة، وألخص مقالته في هذه السطور: "خوف السنين وطغيان الفساد وجبروت الظلم ألجم الأفواه، وتحيّر أهل العقول في البحث عن أمل، وكان العجز يبدو في نهاية كل محاولة، حتى جاء شباب 25يناير، فانهار جدار الصمت، وكسر حاجز الخوف، وأعلن الشعب أن لا سكوت بعد اليوم.."
"وكما كانت ثورة الشباب خلاقة في فكرها السياسي والتنظيمي، فقد كانت خلاقة لحراك لغوي غير مسبوق.. لقد واكب الثورة وعي لغوي عبر عن كل مرحلة من مراحلها.." وتحت عنوان فرعي: المنحنى اللغوي للثورة، قال: "كان واضحاً منذ اللحظة الأولى أن للثورة أفقاً لغوياً، تمثل في الصياغة اللغوية الذكية لشعارات هذه الثورة التي تعبر بدقة ووضوح عن أهدافها ومطالبها وروحها الجديدة، فكان شعار اليوم الأول: خبز، حرية، عدالة اجتماعية. ثم شعار: "سلمية. مصرية. مدنية". الذي يجسد هوية الثورة.
وتصاعد المنحنى اللغوي مع تصاعد الأحداث. فكان شعار: "الشعب يريد إسقاط النظام." هذه الشعارات الجماعية التي صيغت بدقة ووضوح ومصداقية.. ثم تصاعدت الأحداث فتصاعدت الشعارات، فتنادوا: "ارحل، ارحل." وواكبت اللغة الاحتشاد الجمعي (من الجمعة لا من الجماعة)، فجاءت تسميات الثوار لمظاهرات الجمعة معبرة عن الهدف بوضوح: فحملت الجمعة الأولى اسم: "جمعة الغضب" تعبيراً عن الغضب الذي تفجر بسبب عنف قوات الأمن وسقوط شهداء، ثم المظاهرة المليونية الأولى يوم الثلاثاء، وجاءت موقعة الجمل يوم الأربعاء، وتصاعدت الأحداث فكانت "جمعة الرحيل" ثم "جمعة التحدي" ثم جاء تعبير "جمعة النصر" تبشيراً بانتصار الثورة، وكانت خطبة القرضاوي تعبيراً قوياً عن مشاعر الثوار، بكلمات دوت كالرصاص ثم "جمعة الخلاص" للخلاص من ذيول النظام.
وكما كان للشعارات مشاركات، كان للشعر حضور قوي، وكأن الصفحة التي يرسمها الثوار مسحت عار السنين من ظلم وفساد، ورددت الحناجر أبيات شوقي:
زمان الفرد يا فرعون ولى ودالت دولة المتجبرينا
وأصبحت الرعاة بكل أرض على حكم الرعية نازلينا
كما رددت: إذا الشعب يوماً أراد الحياة...
وأبدعت الثورة شعرها الخاص، فكانت قصيدة فاروق جويدة: "الأرض عادت لنا". وهي قصيدة وجّهها إلى فرعون الغارق في نشوة السلطة، بينما شعبه غارق في الذل والظلم والقهر والحرمان، وفيها:
من لم يمت في السجن قهراً مات في صخب الزحام
وكان شعر العامية مشاركاً، وذكر الكاتب عدة قصائد ومنها: "مش ها خونك". وفيها: "مش ها خونك ياللي شايل حلم بلدي في عيونك" وأخرى بعنوان: "اعتذار"، وفيها: "اعذرني يا بني مكسوف منك، وسامحني لأني كنت جبان". ثم أغنية: "صرخة غضب" للشاعر مصطفى عبد الله، وغناها الموسيقار طارق عباس ورددت معه الجماهير:
اصرخ يا صوت الغضب واملا السما باللهب.
ومن الصور الكاريكاتورية هذا الدعاء (دعاء الزعماء وقت الكرب): "اللهم إني أعوذ بك من كرسي يخلع، ومن شعب لا يُقمع، ومن صحيفة لا تُمنع، ومن مواطن لا يُخدع..."الخ.
ثم يتكلم المقال عن لغة أعوان النظام (أبواق النظام بحسب الكاتب). ثم عجزت لغة النظام (وسكت الكلام) وتحركت الجمال (والأنعام) فكانت "موقعة الجمل" التسمية الساخرة التي أطلقها الشباب على بلطجية النظام.
ثم جاءت لغة النصر. وتعبيرات أبدعتها الثورة: تحت هذا العنوان قال المقال: أبدعت الثورة تعبيراتها الخاصة التي حفلت بها لغة الثوار، من مثل: أجواء ثورية، الالتفاف حول الثورة، انفلات أمني، أنظمة كرتونية، بركان الغضب، ثورة بيضاء، فجر جديد، فراغ أمني، فراغ دستوري، فراغ سياسي، القفز فوق الأحداث، القوة الناعمة، لحظات فارقة، لغة جديدة، لغة النصر، مظاهرات استباقية، نصر مستحق.. الخ.
وتحت عنوان التنبؤ اللغوي لنجاح الثورة قال المقال: المتأمل للمنحنى اللغوي للثورة من خلال الشعارات والتعبيرات التي عبرت عن الثورة ومطالبها، يرى تصاعد هذا المنحنى مع تصاعد الأحداث، ويرى كذلك ما تتسم به هذه الشعارات والتعبيرات من دقة ووضوح وتحديد يعبر عن الثقة في قائلها، كما يعبر عن الروح والهمة التي تتمتع بها هذه الشعارات، مما جعل الأعم الأغلب من المحللين اللغويين يرقى بالتوقع إلى درجة اليقين بأن النصر للثورة قادم لا محالة. هذا في مقابل الانحدار المتسارع للغة النظام.
ويختم المقال بالقول: إن الحراك اللغوي الذي أنتجته الثورة سيظل يشغل الشعراء والأدباء والباحثين اللغويين والمفكرين لسنوات طوال.
4- موسيقى هتافات ثورة 25 يناير
كتبت الدكتورة ياسمين فراج مقالاً في مجلة الهلال عدد إبريل 2011 تحت هذا العنوان (وهي تخصص موسيقى)، كتبت تقول: "هتافات الشعب المصري في ثورة 25يناير تخرج الموروث الثقافي للكلمة والموسيقى وتثبت أنه شعب فنان بالفطرة." وقد درستْ كثيراً من شعارات وهتافات الثورة من الناحية الموسيقية النغمية، وكانت تعطي كل هتاف نغمته كأن تقول مثلاً: "الشعب يريد إسقاط النظام" وأنه جاء على نغمتين هما (ري- صول)..الخ
وهتاف: "يا حرية فينك فينك/ أمن الدولة بينّا وبينك" جاء على نغمتي (صول وفا).. وهكذا.. أو هذه الجملة من مقام كذا..
ومما قالت في مقالها: كثيرة هي الهتافات التي تعالت بها حناجر الملايين في ميدان التحرير، توحدت الأصوات، وتناغمت، لنجد أنفسنا أمام حالة فنية تلقائية، تفصح عن شعب ذي مزاج فني فطري.
تنوعت الهتافات بين الطول والقصر، فالقصيرة منها جاءت من بيت أو بيْتين. أما الهتافات الطويلة فهي ذات الأبيات الزجلية المتعددة القوافي، والتي كانت أشبه بالأغنيات الشعبية.
وظهر نوع من الهتافات القصيرة جداً وأشهرها كان: "سلمية" التي خرج بها المتظاهرون في أول أيام الثورة. والهتاف الثاني كان: "ارحل" وفي كل هتاف كانت تحلله موسيقياً ويخضع لأي نغمة. واشتق منه هتاف: "ارحل يعني امشي". والهتافات القصيرة لم تخرج عن النغمتين أو الثلاث على الأكثر وطغى على هذين النوعين من الهتافات الطابع الحماسي، وغالباً ما كانت الهتافات القصيرة تردد من أعداد كبيرة.. ثم ظهرت الهتافات المطولة من مثل: هيلا هبه هيلا هبه/ اصحوا ياللي تحت القبة. حالو يا حالو والريس شعبو ملو. ثم حللت هذا الشعار نغمياً وأنه نسج على منوال أغنية رمضانية شعبية وأن نغمتها... ولا نطيل في تفاصيل الألحان، فهذا يحتاج إلى ثقافة موسيقية.
وتمضي في استعراض عشرات الشعارات والهتافات وتحليلها موسيقياً.
ختاماً. لعلنا بما قلنا ونقلنا أسهمنا في تبيان وظيفة اللغة أو توظيف اللغة في الثورة وفي التعبير عن براكين الغضب التي تعتمل في النفوس، وهل نسينا أناشيد الثورة الفلسطينية التي أسهمت في إلهاب الحماس في نفوس الناس، قبل أن تدخل اللغة والأناشيد في البيات الشتوي اللغوي..
والآن عادت اللغة تنتفض مع الجماهير المنتفضة. لقد عادت الروح إلى اللغة كما عادت الروح إلى الجماهير. والحمد لله الذي أحيانا وأحياها.
