الثلاثاء 13 يناير 2026 الساعة 03:56 م

مقالات وآراء

د. عصام العريان

مسئول المكتب السياسي لجماعة الاخوان المسلمين بمصر
عدد مقالات الكاتب [52 ]

الإخوان المسلمون ومرحلة بناء الديمقراطية

حجم الخط

ما زالت الثورة مستمرة، ونحاول جميعاً استعادة قوة الدفع الثوري لإنجاز باقي أهداف ثورتنا التي صنعناها معاً ونحميها جميعاً حتى نحقق آمال المصريين كلها.

 

وقد بدأت عملية التحول الديمقراطي فعلياً بإصدار قانون إنشاء الأحزاب السياسية والإعلان عن موعد الانتخابات البرلمانية القادمة، بما يعني بدء الاستعداد لتلك الانتخابات.

 

فرضت تلك التحولات أسئلة على كل القوى السياسية والناشطين خاصة الإخوان المسلمين.

 

السؤال الأول: هل يتحول الإخوان المسلمون إلى حزب سياسي؟

 

يتعلق هذا السؤال بقضية السلطة ومدى مركزيتها في فكر الإخوان المسلمين.

 

يرى الإخوان أن نقطة البداية في إحداث التغيير الشامل هي نفوس الشعب وليس السلطة الحاكمة.

 

يقول الإمام الشهيد حسن البنا تحت عنوان "من أين نبدأ"؟

 

(إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور:

 

إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعود عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له، يعصم من الخطأ فيه، والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره) رسالة إلى أي شيء ندعو الناس.

 

لذلك كانت غاية الإخوان المسلمين واضحة ومحددة، يقول البنا أيضاً:

 

(إن غاية الإخوان تنحصر في تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح يعمل على صيغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة في كل مظاهر حياتها { صِبْغَةَ اللَّـهِ ۖوَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّـهِ صِبْغَةً ۖوَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ﴿١٣٨﴾ }[البقرة]

 

وأن وسيلتهم في ذلك تنحصر في تغيير العرف العام وتربية أنصار الدعوة على هذه التعاليم حتى يكونوا قدوة لغيرهم في التمسك بها والحرص عليها والنزول على أحكامها) رسالة المؤتمر الخامس

 

أما الحكم الذي هو هدف الأحزاب السياسية فإن موقف الإخوان منه يحدده البنا أيضاً:

 

(الإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل هذا العبء وأداء هذه الأمانة، والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم، وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله.

 

وعلى هذا فالإخوان أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذا الحال، فلا بد من فترة تنتشر فيها مبادئ الإخوان وتسود، ويتعلم فيها الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة). رسالة المؤتمر الخامس

 

ثم يناشد الأمة بقوله: (فلتعلم الأمة ذلك، ولتطالب حكامها بحقوقها الإسلامية، وليعمل الإخوان المسلمون).

 

ويصحح فهماً خاطئاً قد يتسرب إلى النفوس بقوله: (ليس أعمق في الخطأ من ظن بعض الناس أن الإخوان المسلمين كانوا في أي عهد من عهود دعوتهم مطية لحكومة من الحكومات، أو منفذين لغاية غير غايتهم، أو عاملين على منهاج غير منهاجهم، فليعلم ذلك من لم يكن يعلمه من الإخوان ومن غير الإخوان). المؤتمر الخامس

 

كنت أرى منذ سنوات وأقول داخل ورش العمل التي نعقدها كقيادات إخوانية أنه عندما يكون الحكم قاب قوسين أو أدنى، وفي ظل نظام ديمقراطي سليم، علينا أن نحوّل الجماعة إلى حزب سياسي يسعى إلى التنافس على السلطة والحكم.

 

وأقول اليوم، ومصر في طريقها إلى التحول الديمقراطي، إنني أعيد النظر في هذا الأمر وأعود إلى رأى قريب من رأي ذكره أستاذنا المرحوم د.توفيق الشاوي في مجلس الشورى عام 1995، فقد يكون من الأفضل أن تبقى الإخوان كهيئة إسلامية عامة جامعة حتى لو وصل حزبها السياسي إلى السلطة والحكم لتكون رقيباً عليه وضابطاً أداءه بقوتها الفكرية وشعبيتها الكبيرة، تدعمه إذا أحسن، وتسائله إذا انحرف، وتحاسبه إذا أساء، وتعزله بقوة الشعب إذا فشل فشلاً ذريعاً.

 

السؤال الثاني: هل يؤسس الإخوان حزباً واحداً أم عدّة أحزاب؟

 

عندما يصبح تشكيل الأحزاب بمجرد الإخطار ولا يحتاج إلا إلى بضعة آلاف من المؤسسين، فإن الحق في تشكيل الأحزاب يصبح متاحاً لكل الأفراد، شريطة أن يملكوا مشروعاً ودعماً شعبياً وقدرة على التنافس والبقاء.

 

أما الإخوان كهيئة شعبية فإن من واجبها أن تنتدب بعضها من أعضائها ليؤسسوا حزباً يقود بالوظيفة السياسية في المجال الحزبي التنافسي، ولا يحق لها أن تبقى بعيداً عن ذلك المجال بعد أن كانت ترشح أعضائها للبرلمان وحصلت على أكثر من 20 في المئة من المقاعد، وقررت منذ ربع قرن تكليف مكتب الإرشاد بتشكيل حزب سياسي وقد حانت لحظة التنفيذ.

 

أما أن يكون لها أكثر من حزب، فهذا لعمري في السياسة عجيب وغريب!!

 

كيف لقوة شعبية ما تسعى للمشاركة في صنع القرار أو الدخول في حكومات ائتلافية أو حتى الحكم منفردة أن تفتت جهودها وتشتت أصوات المؤيدين لها؟!

 

العكس هو الصحيح وهو ما يدعو إليه الواجب، أن تقوم الإخوان بدعوة كل المهمومين بالشأن الإسلامي وتنفيذ أحكام الإسلام إلى الوحدة والإخاء والتعاون والولاء، والصحيح هو أن تقوم في مصر أحزاب قوية قادرة على العطاء في إطار التيارات الأساسية الأربعة: الإسلامية، والقومية، والليبرالية، واليسارية، وبجوارها حزب لأصحاب المصالح الاقتصادية.

 

إذن مصر بحاجة إلى 5 أو 6 أحزاب كبرى يمكن لها أن تتآلف وتتحالف أو تتنافس على ثقة الشعب، وغالباً سيؤول الأمر إلى ذلك حتى لو نشأت عشرات الأحزاب.

 

إذا كان الإخوان حصلوا على حوالي 26 في المئة من أصوات المصريين في آخر انتخابات تم تزوير مرحلتيها الثانية والثالثة في عام 2005، فإن حصتهم القادمة يمكن أن تتراوح حول هذه النسبة زيادة أو نقصاناً، لذلك يسعى الإخوان إلى 30 – 35 في المئة من المقاعد، فهل يمكن في ظل تلك السياسة أن يتفرق الصوت الإسلامي الوطني الوسطي في الانتخابات القادمة.

 

إذا كان للإخوان مئة وحدة جهد فإني أتوقع أن يتم توزيعها على النحو التالي:

 

• 75 وحدة جهد للعمل المجتمعي الدعوي والتربوي والاجتماعي والثقافي والفكري.

 

• 25 وحدة جهد للعمل الحزبي وبناء حزبهم "الحرية والعدالة"

 

طبعاً ستدعم الجماعة بكل قوة حزب "الحرية والعدالة" في موسم الانتخابات وبذلك سيتفرغ الإخوان خلال موسم الانتخابات للدعاية والتصويت للحزب، أما في غير ذلك فإن همهم الأساسي والرئيسي يبقى العمل وسط الناس والشعب.