الثلاثاء 06 يناير 2026 الساعة 02:51 م

مقالات وآراء

حالة جمود

حجم الخط

يجدر بالفكر السياسي تعمق قراءة الموقف الأمريكي والأوروبي من ربيع التغيير في العالم العربي . من المؤكد أن التغيير فرض نفسه على الغرب في تونس ومصر ، وهو يحاول فرض نفسه عليهم في ساحات عربية أخرى. ومن المؤكد أن الغرب لا يشعر برضا عن هذا التغيير ، التغيير يبعث على القلق في العواصم الأوروبية وفي واشنطن . في ضوء القلق تحركت واشنطن والعواصم العربية نحو احتواء التغيير وتوجيه تياره نحو حماية المصالح الغربية ، وإضعاف بريقه من خلال إدخاله في حالة جمود.

 

في الثورة المصرية اتجهت العواصم الغربية نحو احتواء الثورة من خلال المجلس العسكري، وتبطيء عملية التغيير، وتنظيم عملية الاستجابة للإرادة الشعبية بسقف أدنى من سقف الثورة الشعبية، لذا تخرج مصر في كل جمعة إلى ميدان التحرير بغرض إنقاذ الثورة ، وحماية أهدافها، والضغط على المجلس العسكري لمحاكمة مبارك وحاشيته والمفسدين . ثمة في واشنطن والاتحاد الأوروبي من يعمل على عرقلة الثورة من بلوغ أهدافها التي رفعها المتظاهرون.

 

لقد اضطرت العواصم الغربية إلى قبول مبدأ رحيل مبارك ، ولكنها تحاول استبقاء ما تبقى من نظامه بقدر الإمكان ، ويبدو أن هذه العواصم التي تعلمت من درس تونس والقاهرة لم تمارس ضغوطاً كافية وجدية من أجل إجبار (علي صالح) و(معمر القذافي) على الرحيل ، بل هي تعمل في الخفاء على تجميد الأوضاع الداخلية في اليمن وليبيا على ما هو عليه الآن لا غالب ولا مغلوب ؟! هم في الساحة الإعلامية يقتربون من الثورة ، وهم في المشاريع السياسية والغرف المغلقة يدعمون صمود علي صالح ومعمر القذافي؟!

 

المراقبون يقولون لقد دخلت اليمن وليبيا مرحلة الجمود ، فلا انتصار واضح للثوار في ليبيا ، ولا انتصار سلمي لثورة الشعب في اليمن . حالة الجمود هي أفضل الحالات لأوروبا وأمريكا و(إسرائيل) . حالة الجمود تسمح بتدخل كبير لعواصم الغرب ، ويجعلها قادرة على ترتيب أوراق المستقبل على نحو يخدم مصالحها باضطرار الطرفين إلى قبول وساطتها وهما في حالة ضعف .

 

ثمة إمكانية كبيرة عند (الناتو) ليحسم المعركة لصالح الثورة الليبية ، ولكنه لا يفعل ويتكأ ويتحجج ، ولكنه في الحقيقة لا يؤمن بحسم الثورة والمعركة لصالح الثوار ؟! وهو لا يؤمن بجدوى حسم المعركة لصالح الثوار في اليمن أيضاً ؟! القول الفصل في هذه المسألة (أنه لا أحد في الغرب يؤيد التغيير في العالم العربي تأييداً حقيقياً).

 

الغرب يبحث عن انتقال سلس للسلطة في اليمن على غرار ما حصل في مصر لاستبقاء النظام الموالي له في سدة الحكم . ولا يبحث عن انتصار ببنغازي ، وإنما عن حلول أخرى لا تحقق نجاحاً كاملاً للثورة، لذا هو مع الحلول الوسط، ومع التخويف بانقسام ليبيا إلى غرب وشرق . في العالم العربي دول تتخوف من نجاح الثورة في ليبيا واليمن . لذا فهم يؤيدون الغرب في حلوله الوسط وفي تلكئه لنزع فتيل الإغراء الذي يمكن أن يشتعل في عواصمهم، لذا فهم يختفون في مواقفهم خلف عواصم الغرب وأمريكا. ثمة عواصم عربية وغربية تشترك معاً في موقف مضاد لامتداد الثورات العربية. وأول الطريق هو احتواء اليمن وليبيا، وإضعاف بريق الثائرين إلى أدنى مستوى ممكن ؟!