ربما كان كلامي عن ياسر أبو هلالة (مراسل الجزيرة في عمان) مجروحا بعض الشيء بسبب صداقة عمرها عقدين من السنوات، مع أن لياسر ميزات عز نظيرها فيما يتصل بالصداقات، إذ أن التزامه من الناحية الدينية لا يحول بينه وبين صداقات مشهودة مع أناس من أهل الأديان والأفكار الأخرى، وجميعهم يكنون لهم الود والاحترام كتقدير لأخلاقه ووفائه.
الذين يعتقدون أن ياسر أبو هلالة (ابن مدينة معان) يكنّ العداء للأردن لأنه ينحاز لخيار الإصلاح أو يقف ضد البلطجة بسائر أشكالها هم إما جهلة أو مضللون (بفتح اللام وتشديدها)، لأن الانحياز للأردن إنما يكون بالانحياز لما يصلحه. وقد قرأنا له مقالات رائعة حول هذا البلد شعبا وتاريخا لم يكتبها سواه، هو الذي يتميز بقلم مبدع جعله الأول بين كتاب صحيفته (الغد).
ينطبق ذات الكلام على حسن الشوبكي . حسن الذي يتعرض لهجاء أكثر من ياسر أبو هلالة في بعض الأحيان، من دون أن يؤثر فيه ذلك قيد أنملة، وها إنه يسمع ذات الكلام منذ سنوات طويلة، لكنه يتصرف كما لو أنه لم يسمع تهديدات ولم يتعرض لمضايقات.
لن أتحدث هنا عن الجزيرة، فقد قلنا الكثير حول هذا الملف، وسيتواصل الجدل ما بقيت هذه المحطة التي تنام ملء الجفون عن شواردها ويسخر الخلق جرّاها ويختصم، كما قال المتنبي عن نفسه ذات زمن قديم. وعموما يمكن للخصوم أن يلتقطوا مثالا من هنا أو هناك حتى يؤكدوا موقفهم المسبق، لكننا نعتبر أن عداء الكيان الصهيوني لها، وتوجه جورج بوش ذات حرب بقصفها لولا تدخل توني بلير، نعتبر ذلك بمثابة شهادة لها، فضلا عن استهدافها من قبل أمثال القذافي ومبارك وبن علي وعلي عبد الله صالح. والناس عموما يرون المشهد على هذا النحو من البساطة «قل لي من صديقك أو عدوك أقل لك من أنت». وللذين يكثرون من طرح الأمثلة، وكثير منها ضرب من الهراء، نقول إن الجزيرة ليست مقدسة، وإنما هي مشروع إعلامي لا يخلو من أبعاد سياسية، وهي ليست منزهة عن الأخطاء، ولكن أين شرها من خيرها، وماذا عن ناقديها في المقابل؟!
على أن ذلك كله شيء، والتحريض على ياسر أبو هلالة وحسن الشوبكي وما تبقى من طاقم الجزيرة في عمان، شيء آخر، وقد سمعنا عن ذلك الذي دعا عبر «الفيسبوك» إلى اعتصام أمام مكتبها فكانت النتيجة أن أحدا لم يلبّ الدعوة، بما في ذلك صاحبها.
التحريض على الكتاب والإعلاميين بهذه الطريقة، وعبر وسائل إعلام بعضها مشبوه الإدارة والتمويل ليس بطولة ولا رجولة، فضلا عن التحريض عبر تعليقات الإنترنت، وبعضها يستخدم الكلام العنصري الذي يمتهن إنسانية الإنسان ويجعله مجرد فرد في قبيلة وليس إنسانا له كيانه الخاص الذي يجعله أهلا لأن يُحاكم بناء على قوله وفعله وإنجازه وليس أصله وفصله.
واثقون من أنهم لن يكسروا قلم ياسر أبو هلالة ولن يُسكتوا صوته، وكذلك حسن الشوبكي، ولا أي صوت حر شريف تتحدد بوصلته بناءً على مصلحة الأمة، وليس مصلحته وحساباته الشخصية.


