هل يملك مقال صحفي القوة الكافية لتبرئة (إسرائيل) من تهمتي (جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية) الواردتين في تقرير لجنة تقصي الحقائق الأممية التي يرأسها القاضي اليهودي غولدستون؟!! هل ستنجو (إسرائيل) من العقاب كما نجت عادةً منه بغطاء أمريكي أوروبي؟! يدرك المهتمون أن مقال غولدستون في صحيفة الواشنطن بوست ليس جيداً للفلسطيني، وليس جيداً لمؤسسات حقوق الإنسان الدولية، وليس جيداً لأعضاء لجنة تقصي الحقائق زملاء غولدستون في المهمة التي كلفتهم بها الأمم المتحدة، نعم ندرك أن المقال ليس جيداً، ولكنه لا يتضمن تبرئة (إسرائيل) من (جرائم الحرب، وجرائم ضد الإنسانية)، وهو ببساطة لا يملك هذه الصلاحية، سواء أكتب مقالاً أو عشرة مقالات، لأن هذه الصلاحية هي ملك لمحكمة الجنايات الدولية، أي أن التهم قائمة ولا يلغيها إلا القضاء، وما تقوم به (إسرائيل) من حملة إعلامية منظمة هو إيهام العالم بهذه البراءة، لثنيها عن مواصلة الطريق في متابعة التقرير.
إنه لا قيمة كبيرة لمقال صحفي أمام عمل شاق قامت به لجنة تقصي الحقائق التي حققت (بلغة الأرقام هنا) في (36) حادثة وجريمة، واستمعت لشهادات (188 شخصاً) أمام الرأي العام، واعتمدت في عملها على (1200 صورة) من جرائم الحرب، واعتمدت على (10000) وثيقة من أطراف مختلفة. لغة الأرقام تقول إن اللجنة دانت (إسرائيل) بتهم محددة وفق أدلة ومعلومات كافية، وهي لا تحتاج إلى مزيد من المعلومات.
إنه لا قيمة لمقال صحفي بعد أن أيّد التقرير مجلس حقوق الإنسان الدولي مرتين، مرة عندما قدمه غولدستون، ومرة أخرى قبل عشرة أيام حين قدمت (ماك دافيس) تقرير لجنتها حول التحقيقات الداخلية لغزة والضفة و(إسرائيل)، وقد ردت تحقيقات (إسرائيل) لعدم تعاونها وعدم مصداقيتها وقبلت تحقيقات الضفة وغزة إلا في الجزئية التي تتعلق بصواريخ المقاومة. وعليه فالتقرير هو ملك لمؤسسات حقوق الإنسان وللأمم المتحدة، ولا يتأثر التقرير بمقال صحفي حتى ولو كتبه غولدستون نفسه.
إنه لا قيمة للمقال الصحفي في الواشنطن بوست لأن غولدستون كتبه بعد أن تعرض لضغوط هائلة من اللوبي الصهيوني في جنوب أفريقيا وغيرها من الدول، حيث تعامل معه الصهاينة (كشخص منبوذ) لا يحمل ولاء لدولة اليهود.
إن قيمة تقرير لجنة تقصي الحقائق المعروف إعلامياً بتقرير غولدستون لا تزال قائمة، وما زال التقرير حياً وحيوياً، لذلك فهو يتعرض لمؤامرة الإلغاء، أو الطعن في المصداقية، لذا يجدر بالجانب الفلسطيني، وبالجانب العربي، وبمؤسسات حقوق الإنسان مواصلة الطريق لتحويل قادة الاحتلال إلى محكمة الجنايات الدولية حتى ولو استعملت أمريكا (الفيتو) في مجلس الأمن. (إسرائيل) في مأزق ولا يخرجها من مأزقها هذا إلاّ الإهمال الفلسطيني والعربي، ولا قيمة لمقال غولدستون، ولا لتحقيقات (إسرائيل) الداخلية بعد أن ردّها مجلس حقوق الإنسان قبل عشرة أيام.
